بقلم: المهندس نبيل إبراهيم حداد
مستشار في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع
لطالما وُصف الأردن بأنه دولة مستقرة في منطقة غير مستقرة. وهذا صحيح، وهو إنجاز لا يجوز التقليل من أهميته. فقد صمد الأردن أمام حروب دارت حول حدوده، وموجات من اللجوء، وضغوط اقتصادية، وصدمات في الطاقة، وندرة في المياه، وحالة مستمرة من عدم اليقين الإقليمي. وفي كثير من المراحل، كان الاستقرار بحد ذاته إنجازًا وطنيًا.
ولكن ونحن نقترب من عام 2030، علينا أن نكون صريحين مع أنفسنا: فالاستقرار وحده لا يكفي.
لا تستطيع أي دولة أن تبني مستقبلها فقط من خلال تجنب الانهيار. بل يجب أن تخلق النمو، وفرص العمل، والإنتاج، والصادرات، والمهارات، والثقة، والقدرة التنافسية الوطنية. فالاستقرار هو الأساس، لكنه ليس البناء. أما البناء الحقيقي فيجب أن يكون الإنتاجية.
يحتاج الأردن اليوم إلى انتقال وطني من لغة البقاء إلى لغة الإنجاز. فلا ينبغي أن نسأل فقط كيف يبقى الأردن آمنًا، بل علينا أن نسأل كيف يصبح الأردن أكثر إنتاجية، وأكثر تنافسية، وأكثر صناعية، وأكثر مهارة، وأكثر قدرة على منح شبابه مستقبلًا داخل وطنهم.
تمنح رؤية التحديث الاقتصادي الأردن إطارًا مهمًا. فهي تتحدث عن النمو، والتشغيل، والتنافسية، ونوعية الحياة، والاستثمار، والقطاعات المستقبلية. لكن الرؤى لا تنجح لأنها مكتوبة بشكل جيد، بل تنجح عندما تتحول إلى برامج، وموازنات، ومسؤوليات، ومواعيد نهائية، ومؤشرات قياس، وتنفيذ منضبط.
وهنا يبدأ التحدي الحقيقي أمام الأردن.
لا يفتقر الأردن إلى المتعلمين. بل إن ما يثير الدهشة أن كثيرًا من نخب البلاد قد تلقوا تعليمهم في بعض أفضل الجامعات والكليات في العالم. لذلك، فالسؤال ليس ما إذا كان الأردن يمتلك أشخاصًا أذكياء. السؤال الحقيقي هو: لماذا لم ينعكس هذا التعليم بعد بصورة كافية على مؤسسات أقوى، وصناعات أقوى، وخدمات عامة أفضل، ومدارس منتجة، وجامعات تنافسية، وتنفيذ منضبط؟
لا يوجد أي عذر لتأخير عملية إعادة تأهيل شاملة للتعليم، تبدأ من المدارس الأساسية وتمتد إلى الجامعات والكليات التقنية ومراكز التدريب المهني. فالتعليم ليس قطاعًا احتفاليًا، بل هو خط الإنتاج الحقيقي للأمة. فإذا كانت المدرسة ضعيفة، سيكون المصنع ضعيفًا. وإذا كانت الجامعة منفصلة عن سوق العمل، ستزداد البطالة. وإذا جرى التعامل مع التدريب المهني كمسار ثانوي، فستبقى الصناعة معتمدة على المهارات المستوردة.
يحتاج الأردن إلى نظام تعليمي يُنتج مفكرين، وفنيين، ومهندسين، ورواد أعمال، ومزارعين، ومتخصصين رقميين، وممرضين، وحرفيين، ومديري مشاريع، وعمالًا منضبطين. فالبلد لا يحتاج إلى شهادات فقط، بل يحتاج إلى كفاءة.
والأمر نفسه ينطبق على الاقتصاد. يجب أن ينتقل الأردن من الاستهلاك إلى الإنتاج. فالخدمات مهمة، لكن يجب أن تصبح الخدمات أيضًا قابلة للتصدير والمنافسة. والصناعة مهمة، لكن يجب تحديثها. والزراعة مهمة، لكن يجب ربطها بكفاءة استخدام المياه، والأمن الغذائي، والتكنولوجيا، وأسواق التصدير. والسياحة مهمة، لكن يجب إدارتها كصناعة اقتصادية وطنية، لا كنشاط موسمي فقط. والتحول الرقمي مهم، لكنه يجب أن يخلق فرص عمل حقيقية ويحسن كفاءة الحكومة، لا أن يبقى مجرد شعارات.
بحلول عام 2030، لا ينبغي أن يكتفي الأردن بنمو متواضع. فمعدل نمو بحدود 2% أو 3% قد يحافظ على الاقتصاد، لكنه لن يغير المجتمع. يحتاج الأردن إلى التفكير بطموح أكبر. وقد يبدو الوصول إلى معدل نمو يقترب من 8% بحلول عام 2030 أمرًا صعبًا، لكن الأمم لا تتقدم عندما تصمم أهدافها على أساس الخوف، بل تتقدم عندما تصمم مؤسساتها على أساس الطموح.
مثل هذا النمو لا يأتي من الخطب. إنه يحتاج إلى انضباط. يحتاج إلى إزالة العقبات أمام الاستثمار، وتسريع الترخيص، وتحسين البنية التحتية، وتوفير طاقة موثوقة، ولوجستيات فعالة، وحماية المستثمر الجاد، ودعم المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والمساءلة عن التأخير في التنفيذ. كما يحتاج إلى ربط الجامعات بالصناعة، وربط الإنفاق العام بالنتائج القابلة للقياس، والتعامل مع الوقت كمورد وطني.
إحدى مشكلات الأردن الكبرى ليست غياب الخطط، بل الفجوة بين التخطيط والتنفيذ. ومن خلال خبرتي الممتدة لعقود في الهندسة والصناعة وإدارة المشاريع، أؤمن بأن أي مشروع جاد لا ينجح من دون نطاق عمل واضح، وأهداف قابلة للقياس، وإدارة للمخاطر، ومصفوفات مسؤوليات، وجداول زمنية، وموازنات، وضبط جودة، وإجراءات تصحيحية. والمنطق نفسه ينطبق على التنمية الوطنية.
يحتاج الأردن إلى ثقافة وطنية في التنفيذ.
يجب أن تُقاس كل وزارة، وبلدية، وجامعة، ومؤسسة عامة، ومشروع كبير على أساس الإنجاز الفعلي، لا على أساس النوايا. ويجب أن يجيب كل برنامج وطني عن أسئلة بسيطة: ما الذي سيتم تسليمه؟ من المسؤول؟ ما هو الموعد النهائي؟ ما هي الموازنة؟ ما هي المخاطر؟ ما هي النتائج القابلة للقياس؟ وماذا يحدث إذا فشل الأداء؟
ومن دون هذا الانضباط، تتحول حتى أفضل الرؤى الوطنية إلى وثائق تزيينية.
لوحة الأداء الوطني للأردن 2030
حتى لا يكون الأردن 2030 مجرد شعار وطني، يحتاج البلد إلى لوحة واضحة لمؤشرات الأداء القابلة للقياس. يجب نشر هذه المؤشرات ومراجعتها ومناقشتها سنويًا. فالأمة لا تستطيع إدارة ما لا تقيسه، ولا تستطيع تحسين ما ترفض تقييمه بصدق.
1. مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي والنمو الاقتصادي
ينبغي أن يتبنى الأردن هدفًا وطنيًا للانتقال من النمو المتواضع إلى النمو التحويلي. فالنمو بنسبة 2% أو 3% قد يحافظ على الاقتصاد، لكنه لن يحل مشكلة البطالة، ولا ضغط الدين، ولا ضعف الدخل.
تشمل المؤشرات المقترحة ما يلي:
•وصول نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي إلى ما لا يقل عن 5% بحلول عام 2027، والتحرك نحو 8% بحلول عام 2030.
•أن يتجاوز نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي معدل النمو السكاني كل عام.
•زيادة مساهمة الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.
•أن يتجاوز نمو الصادرات نمو الواردات.
•زيادة الاستثمار الخاص كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.
•قياس الاستثمار الأجنبي المباشر ليس فقط بقيمته المالية، بل بعدد فرص العمل التي يخلقها وحجم التكنولوجيا التي ينقلها.
•عدد المؤسسات الإنتاجية الجديدة التي يتم تأسيسها سنويًا في الصناعة، والزراعة، والتكنولوجيا، واللوجستيات، والسياحة، والخدمات الهندسية.
•زيادة حصة الصادرات ذات القيمة المضافة العالية سنويًا.
•قياس المشاريع الحكومية وفق إنجازها في الوقت المحدد، وضمن الموازنة، ووفق متطلبات الجودة.
السؤال الأساسي لا يجب أن يكون فقط: كم ينمو الأردن؟ بل يجب أن يكون: ما نوع هذا النمو؟ فالنمو القائم على الاستهلاك والاقتراض نمو ضعيف، أما النمو القائم على الإنتاج، والتصدير، والتكنولوجيا، والتشغيل الماهر، فهو نمو مستدام.
2. مؤشرات التعليم
يجب التعامل مع التعليم باعتباره خط الإنتاج الوطني الرئيسي. فلا يمكن للأردن أن يتحدث عن عام 2030 بينما تبقى المدارس والجامعات والتدريب المهني منفصلة عن الاقتصاد.
تشمل المؤشرات المقترحة ما يلي:
•نسبة المدارس التي يتم تطويرها سنويًا من حيث المرافق، والمختبرات، والأدوات الرقمية، وبيئة التعلم.
•أداء الطلبة في الرياضيات، والعلوم، واللغة العربية، واللغة الإنجليزية، والمهارات الرقمية.
•عدد ساعات تدريب المعلمين سنويًا، على أن تكون مرتبطة بالأداء داخل الصف.
•نسبة البرامج الجامعية التي تتم مراجعتها ومواءمتها مع احتياجات سوق العمل.
•نسبة الخريجين الذين يحصلون على عمل خلال سنة واحدة من التخرج.
•نسبة الطلبة الملتحقين بالتعليم المهني والتقني.
•عدد الشراكات بين الجامعات، ومراكز التدريب المهني، والصناعة.
•عدد مشاريع البحث التطبيقي التي يتم تحويلها إلى استخدام تجاري أو صناعي.
•تقليص الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات القطاع الخاص.
•تحسين ترتيب الأردن في مؤشرات جودة التعليم ورأس المال البشري.
يجب ألا يكون الهدف إنتاج المزيد من الشهادات، بل إنتاج الكفاءة، والانضباط، والابتكار، وقابلية التشغيل.
3. مؤشرات التشغيل
يجب قياس التشغيل من حيث الجودة والاستدامة والإنتاجية، لا من حيث الأرقام فقط. يحتاج الأردن إلى وظائف تخلق قيمة، لا إلى امتصاص مؤقت للبطالة.
تشمل المؤشرات المقترحة ما يلي:
•صافي فرص العمل الجديدة سنويًا في القطاع الخاص.
•انخفاض معدل بطالة الشباب سنة بعد سنة.
•زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل سنويًا.
•نسبة الوظائف الجديدة التي يتم خلقها في القطاعات الإنتاجية والموجهة للتصدير.
•نسبة الخريجين العاملين في مجال دراستهم.
•عدد برامج التدريب المهني المدفوع والتلمذة المهنية التي يتم إنشاؤها سنويًا.
•تقليص العمالة غير المنظمة.
•نمو متوسط الأجور مقارنة بالتضخم.
•عدد العمال الأردنيين الذين يتم تدريبهم واعتمادهم في المهن التقنية.
•فرص العمل التي تخلقها المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
•فرص العمل التي يتم خلقها خارج عمّان لتعزيز تنمية المحافظات.
يجب أن يكون الهدف واضحًا: ألا يشعر الشباب الأردني أن الهجرة هي الطريق الوحيد للكرامة. يجب أن يخلق الاقتصاد الوطني مساحة جدية لهم داخل وطنهم.
4. مؤشرات إدارة الدين الوطني
إدارة الدين ليست مسألة مالية فقط، بل هي مسألة سيادة وطنية، ومستقبل أجيال، وثقة مستثمرين. وقد يكون الاقتراض ضروريًا، لكن الاقتراض من دون نمو يخلق التبعية.
تشمل المؤشرات المقترحة ما يلي:
•انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي سنويًا.
•انخفاض عجز الموازنة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تدريجيًا.
•تقليل كلفة خدمة الدين كنسبة من الإيرادات الحكومية.
•ربط الاقتراض الجديد بالمشاريع الرأسمالية الإنتاجية، لا بالنفقات الجارية.
•زيادة نسبة الإنفاق الحكومي المخصص للمشاريع الاستثمارية والتنموية.
•ضبط النفقات الجارية ومراجعتها سنويًا.
•تقييم مشاريع الشراكة بين القطاعين العام والخاص بناءً على القيمة مقابل المال، وتوزيع المخاطر، والأثر المالي طويل الأمد.
•تقليص وتسوية مستحقات الحكومة للمقاولين، والموردين وفق جداول واضحة.
•نشر تقرير سنوي لاستدامة الدين يتضمن افتراضات شفافة.
•اشتراط إعداد تقييم للعائد الاقتصادي لكل مشروع عام كبير قبل اعتماده.
يجب أن ينتقل الأردن من إدارة الدين إلى تقليل الحاجة إلى الدين. وهذا لا يتحقق إلا من خلال النمو، والإنتاجية، والاستثمار، والصادرات، والانضباط في الإنفاق العام.
5. مؤشرات التنفيذ والمساءلة
لن تنجح أي لوحة أداء وطنية من دون مساءلة. لذلك، يجب أن يتضمن الأردن 2030 مؤشرات تنفيذ في جميع المؤسسات العامة.
تشمل المؤشرات المقترحة ما يلي:
•نسبة المشاريع الوطنية المنجزة في الوقت المحدد.
•نسبة المشاريع الوطنية المنجزة ضمن الموازنة المعتمدة.
•عدد المشاريع المتأخرة وأسباب التأخير.
•الوقت اللازم لإصدار تراخيص الأعمال والموافقات الاستثمارية.
•الوقت اللازم لحل شكاوى المستثمرين.
•نشر تقرير سنوي عن أداء كل وزارة.
•وجود مصفوفة مسؤوليات واضحة لكل برنامج وطني.
•خطط إجراءات تصحيحية للقطاعات ضعيفة الأداء.
•مراجعة مستقلة للمشاريع الوطنية الكبرى.
•إبلاغ الرأي العام بالتقدم، والتأخيرات، والمخاطر، والإجراءات التصحيحية.
إن الهدف من هذه المؤشرات ليس معاقبة المؤسسات، بل خلق ثقافة الجدية. فالأردن يحتاج إلى احتفال أقل بالإعلانات، وقياس أكبر للنتائج.
مؤتمر وطني للإنتاج
أؤمن أيضًا بأن على الأردن أن ينظم مؤتمرًا وطنيًا جادًا يركز على الإنتاجية، لا على السياسة وحدها. يجب أن يكون الموضوع عمليًا: كيف نطور إنتاج الخدمات والمواد التي تدعم الاقتصاد؟
ينبغي أن يجمع هذا المؤتمر بين الصناعة، والهندسة، والزراعة، والسياحة، والتعليم، واللوجستيات، والطاقة، والتكنولوجيا الرقمية، والتمويل، والتدريب المهني. ولا يجب أن ينتهي بخطب، بل بخطط عمل قطاعية، ومؤسسات مسؤولة، وجداول زمنية، وأهداف قابلة للقياس.
إن مزايا الأردن حقيقية. فلديه الموقع، والموهبة البشرية، والربط الإقليمي، والعمق التاريخي، والخبرة السياسية، ومجتمع يقدّر التعليم. لكن المزايا لا تكفي إذا لم تتحول إلى قدرة إنتاجية.
لذلك، يجب أن يكون السؤال الوطني القادم مباشرًا:
ماذا يريد الأردن أن يكون بحلول عام 2030؟
هل يريد أن يكون دولة بقيت مستقرة بينما يبحث شبابها عن فرصهم في الخارج؟ أم دولة استخدمت استقرارها كمنصة للإنتاج، والتنافسية، والتشغيل، والكرامة؟
يجب أن يصبح الاستقرار نقطة انطلاق، لا محطة نهائية.
لقد أثبت الأردن أنه قادر على الصمود. والمهمة التالية هي أن يثبت أنه قادر على الإنتاج، والمنافسة، والنمو، والقيادة. ويجب ألا تكون السنوات القادمة سنوات انتظار، بل سنوات تنفيذ.
يجب أن يُدار الأردن 2030 كمشروع وطني. يجب أن يكون له نطاق عمل، وجدول زمني، وموازنة، وإدارة مخاطر، وضبط جودة، ومؤشرات أداء، ومساءلة. فهكذا تنجح المشاريع الهندسية، وهكذا تنجح المشاريع الوطنية أيضًا.
الاستقرار يمنح الأردن المنصة. ومؤشرات الأداء تمنح الأردن الاتجاه. والتنفيذ يمنح الأردن النتيجة.
يجب أن يكون الأردن 2030 أردن الإنتاجية، وإصلاح التعليم، والإدارة المنضبطة، والطموح الوطني.
لأن الاستقرار ضروري، لكنه وحده لا يكفي.
