سنبقى قرب الملجأ ولن نخرج للاستجمام!

حلمي الأسمر
النصر الحقيقي لا يحتاج إلى تأويل، حتى «صلح الحديبية» كان مجرد هدنة، أو وقف إطلاق نار، لكنه كان بداية، ولهذا سماه رب العالمين: نصرا مبينا، ولم يكن نهاية المطاف بل تم البناء عليه، ومثلما كان الطريق إلى مكة طويلا، ومحفوفا بالشهداء، والخذلان، والخيانات أيضا، سيكون الطريق إلى القدس طويلا، طويلا جدا، ما حدث ثغرة بالجدار، الذي بُدىء بناؤه منذ نحو مائة عام، واستمروا في تحصينه، هذه الثغرة، ستتوسع، وتكبر، وصولا إلى تحويل الجدار إلى ركام، وهذا يحتاج إلى أكثر بكثير مما بُذل حتى الآن، وفي انتظار مزيد من «الهدوء» والاستمتاع بلذة النصر اللاذعة بكثير من المرارة، نرقب المشهد، ونقرأ بعض التفاصيل، لعلنا نستخلص شيئا مما جرى، وبعيون «أزعر الحي» الذي مُرغ انفه بالتراب، لكنه لم يزل قويا بما يكفي لكي نستعد أكثر فأكثر لكسره، وتحويله إلى ذكرى، تماما كما تحولت ممالك الصليبيين!
فماذا قال هذا الأزعر بالأمس تحديدا، بعد ساعات من إعلان وقف إطلاق النار؟
أوضح اعتراف بالهزيمة، جاء على لسان الكاتب اليهودي أمير أورن في عدد «هآرتس» أمس، حين قال: ما جلبه نتنياهو ورفاقه على إسرائيل في مواجهة أقوى جيوش المنطقة لمنظمة فيها أقل من 15 ألف مقاتل وعدد أقل من ذلك من القذائف الصاروخية ليس مجرد انكسار بل هزيمة، أما المعلق الصهيوني بن كاسبيت، فذهب إلى البعد الاستراتيجي للمشهد في «معاريف» حين أجاب عن سؤال «المستوى الاستراتيجي» قائلا: هنا نصل الى الجزء غير اللطيف، فإسرائيل بالذات درجت على أن تنتصر على أعدائها كل مرة. ولكن هذه الأيام انتهت ولم تعد. إسرائيل لا يمكنها أن تسمح لنفسها بان تخسر. والخسارة الأولى ستكون الأخيرة (لم تكن خسارة كاملة بالمعنى الشامل، لنعترف نحن المحتفلين بالنصر!) المشكلة هي أنه في الزمن الأخير اعتدنا أكثر مما ينبغي على استخلاص التعادل. بل وممن؟ من منظمة إرهابية بحجم ربع حزب الله تتمترس في قطاع محاصر بعرض ثمانية كيلومترات. مع مثل هذه العصبة نحن نقاتل منذ خمسين يوما، فيما يتلقى الاقتصاد ضربة، تنهار السياحة ومنطقة كاملة يهجرها سكانها، ويخترق نمط الحياة العادية لمعظم الدولة، وتضيع إجازة الصيف بينما يقعد الجميع حتى اللحظة الأخيرة وهم يقضمون أظافرهم حول مسألة اذا كان خالد مشعل سيتفضل أخيرا علينا بالموافقة على وقف إطلاق النار. هذا ليس نصرا!
جدعون ليفي/ في «هآرتس» كان له اعتراف خجول، ولكنه مباشر: كانت هذه أقسى حرب قامت بها إسرائيل وانتهت أمس الى المكان الذي بدأت فيه بالضبط، وهي في طريقها أحدثت ما لا يحصى من الجروح والندوب التي هي عند الفلسطينيين أكثر نزفا، أما عند الإسرائيليين فأعمق. انتهت حرب الخمسين يوما بلا منتصرين ومع كل ذلك ابتهجوا في غزة فقط أمس وهم محقون بقدر ما!
لو نزلنا قليلا، إلى الشارع اليهودي في فلسطين، لرأينا تعبيرا أكثر دقة، ومرارة، ومِلـْحا، «سنبقى قرب الملجأ ولن نخرج للاستحمام» هكذا تعبر المستوطنة الصهيونية شيلي برغيغ عن
(فوبيا الرعب!) وتقول.. «إنهم يتلاعبون بنا وهذه خدعة من السياسيين. فلا يوجد وقف للنار ولن يكون حقا، سأواصل تصرفي في حالة الطوارىء. وابنتي ستبقى قريبة من الملجأ، ولن نخرج للاستجمام، هذا الواقع مستمر منذ 14 سنة. كنت في حينه ابنة 14 وأنا اليوم ام لطفلة تعيش في ذات حالة الطوارىء التي عشتها»!
هي جولة، والأزعر الذي اعتاد أن يهين خصمه، يشعر بالإهانة الآن، لكنه يعض على جرحه، و»يعز» عليه الاعتراف، لكنه يدرك أن هذا الخصم عنيد بما يكفي ليواصل طريقه.. إلى القدس!

الدستور
تابعو الأردن 24 على