كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني -
كوابيس النوم التي تقض مضجعي لا تنتهي، مذ أن زرت مدينة المظاهر أوستنشيا. وفي كابوس الليلة الماضية جاء الجني الذي يرافقني وقال: يا غريب، لا يُذكر البوم، في الموروث الشعبي في مدينة أوستنشيا، بوصفهِ طائراً فحسب، بل بوصفهِ علامة. وحضوره لا يسبق الخراب، بل يليه، ولا يبشّر بالليل، بل بالسكون الذي يعقب الهجر. وحين يُقال " إن من يسير خلف البُوم يُدلّ إلى الخراب "، فالمقصود ليس العمى، بل أخطر منه، وهو التكيّف مع الخراب، واتخاذه بيئة طبيعية، ونموذجاً للإدارة.
وأردف قائلاً، بهذا المعنى، يمكن فهم حال دولٍ اختارت، طوعاً أو اضطراراً، أن تسلّم تخطيطها الاستراتيجي لدولة عظمى، ذات أهداف استراتيجية، كالولايات المتحدة، وأن تربط ماليتها العامة بالمساعدات القادمة من الخارج، دون أن تبني في المقابل اقتصاداً حقيقياً قادراً على الإنتاج أو التراكم. وهذه الدول لا تعيش أزمة عابرة، بل حالة مستدامة من الركود المُدار، حيث يًصبح الفشلُ مستقراً، والإنجاز مؤجلاً، والخراب قابلاً للتسويق.
والبُوم لا يقود إلى الدمار المباشر، بل إلى ما بعده. إلى مرحلة ما بعد الضجيج، حيث لا حرب ولا نمو، لا انفجار ولا نهضة، بل صمت طويل تُدار فيه الحياة بأقل طموح ممكن. وهكذا تعمل السياسات الاقتصادية التابعة. فلا تُخطئ بصخب، ولا تنجح بوضوح، بل تُبقي المجتمع في منطقة رمادية، كافية لمنع الانهيار، وغير كافيةٍ لإنتاجِ مستقبل.
حين تعتمد دولة في تخطيطها على قوة عظمى، فإنها لا تستورد المال فقط، بل تستورد تعريف النجاح ذاته. والنجاح هنا لا يُقاس ببناء قاعدة صناعية، ولا بتطوير المعرفة، ولا بتقليل التبعية، بل بالقدرة على الالتزام، وضبط الداخل، والحفاظ على " الاستقرار ". والاستقرار في هذا السياق ليس استقرار النمو، بل استقرار الجمود. واستقرار ألا يتغير شيء جذري. والمساعدات، في هذا النموذج، ليست وسيلة انتقال، بل غاية بحد ذاتها. تتحول الموازنة العامة إلى وثيقة انتظار، ويصبح الاقتصاد الوطني تابعاً لدورة سياسية خارجية، لا لدورة إنتاج داخلية. وحين تتأخر المساعدات، يُوصَف ذلك بالأزمة؛ وحين تصل، يُقدَّم كإنجاز. أما السؤال الجوهري فهو لماذا لا ننتج ما يكفي؟ فيبقى مؤجلًا إلى أجل غير مسمى.
البُوم، بخلاف الأعمى، يرى جيداً في الظلام. وهذا هو جوهر الاستعارة. فالدولة التي تسير خلف البُوم لا تُقاد من جهل، بل من منطق بارد يعرف حدوده جيدًا. وهذا المنطق يقول " لا نريد نمواً يربك التوازنات، ولا اقتصاداً قوياً يفرض استقلال القرار، بل اقتصاداً يكفي للبقاء، ويحتاج دائماً إلى راعٍ خارجي. وهكذا يصبح الضعف ميزة وظيفية، لا خللاً طارئاً.
وفي هذا السياق، تلعب النخب المحلية دوراً حاسماً. فهي لا تصنع رؤية، بل تدير التبعية. ولا تُحاسَب على النتائج الاقتصادية، بل على قدرتها في الحفاظ على العلاقة مع المانح. ومع الوقت، تتآكل فكرة التخطيط الوطني نفسها، وتتحول الدولة إلى جهاز إداري كبير، وظيفته الأساسية إدارة الموارد الشحيحة، لا خلق موارد جديدة.
إن الاقتصاد الناتج عن هذا المسار هو اقتصادٌ بلا روح، فيه قطاع خاص يعيش على الامتيازات والعقود، لا على المنافسة، وقطاع عام مثقل بلا إنتاجية، وشباب بلا أفق سوى الهجرة أو الانتظار، أو تناول المخدرات. وأرقام كلية تُجمَّل في التقارير، بينما الواقع الاجتماعي يزداد هشاشة. كل ذلك يحدث من دون انهيار درامي، لأن البُوم لا يحب الفوضى، بل الخراب الهادئ.
والأخطر من ذلك أن هذا النموذج يُقدَّم باعتباره عقلانياً. وأية دعوة لإعادة التفكير في التبعية تُوصَف بالمغامرة، وأي حديث عن اقتصاد مُنتج يُقابَل بالسخرية أو التخويف. وكأن البديل عن السير خلف البُوم هو السقوط في المجهول، لا استعادة البصر.
لكن التاريخ الاقتصادي لا يرحم هذه الحجج. لا دولة نهضت لأنها أحسنت إدارة المساعدات، ولا مجتمع خرج من التخلف لأنه أتقن فن الانتظار. والنهضة تبدأ حين ترفض الدول أن ترى بعين غيرها، وحين تفهم أن الظلام ليس بيئة دائمة، بل مرحلة مؤقتة.
إن اقتصاديات البُوم هي اقتصاديات ما بعد الطموح، تتلخص في إدارة الخراب بدل تجاوزه، والتعايش مع العجز بدل معالجته. وهي، في النهاية، اختيارٌ سياسي قبل أن تكون قدراً اقتصادياً. واختيار السير خلف من لا يعيش إلا حيث انتهت الحياة.
قبل أن أستيقظ قال لي الجني الذي يُرافقني في كوابيسي المؤرقة في أوستنشيا: كل الأمثال الشعبية، حين تُقرأ جيداً، ليست حِكماً عابرة، بل نظريات مختصرة. وقال آخرة جملة أتذكرها: من يسير خلف البُوم، مهما بدا الطريق آمناً، سيصل حتماً إلى المكان الذي لا يُبنى فيه شيء..