محرر الشؤون المحلية - في مشهدٍ غير مألوف بتاريخ وزارة الصحة، وبروحٍ تتجاوز الشكل إلى الجوهر، عقد وزير الصحة الدكتور إبراهيم البدور لقاءً موسعًا حمل ملامح سنةٍ حميدة، ورسّخ نموذجًا إداريًا وإنسانيًا يستحق التوقف عنده والبناء عليه، لقاءٌ لم يكن خطابًا تقليديًا عابرًا، بل رسالةً شاملة الاتجاهات، واضحة العناوين، عميقة الدلالات، ومشحونة بإرادة الإصلاح والارتقاء.
اللقاء انعقد في المركز الثقافي الملكي، بحضور لافت لما يقارب ستمائة من مديري المستشفيات ومديريات الصحة والمراكز الصحية من مختلف محافظات المملكة، في مشهد يعكس قناعة راسخة بأن القرار الصحي الرشيد لا يُصاغ خلف المكاتب، بل يُبنى بالشراكة مع الميدان ومن يقفون في خط الخدمة الأول.
الوزير البدور، استهل اللقاء بنبرة إنسانية صادقة، عبّر فيها عن اعتزازه العميق بكوادر وزارة الصحة، مثمنًا تفانيهم وجهودهم في خدمة المرضى وحماية أحد أكثر القطاعات حساسية في الدولة، هذا الاعتراف لم يكن مجاملة، بل مدخلًا أخلاقيًا لخطاب متوازن يجمع بين التقدير والمساءلة، وبين التحفيز والالتزام.
ومع اقتراب شهر رمضان المبارك، استثمر الوزير المناسبة لتأكيد أن الانضباط الوظيفي، والتكافل، واحترام الوقت، ليست شعارات موسمية، بل قيم مؤسسية يجب أن تنعكس مباشرة على جودة الخدمة الصحية، وعلى علاقة الموظف بالمريض، وعلى صورة القطاع الصحي في وجدان المواطن.
وشدّد البدور على أن بيئة العمل الصحية لا تُقاس بالأجهزة فقط، بل بثقافة الاحترام المتبادل، وروح الفريق الواحد، والتعاون بين الإدارات والكوادر الفنية والطبية والإدارية، وأكد أن بناء "عائلة صحية واحدة" هو المدخل الحقيقي لرفع كفاءة الأداء وتحقيق نتائج مستدامة.
وفي رسالة حاسمة وواضحة، أكد الوزير البدور أن كل مسؤول في وزارة الصحة مسؤول مباشرة أمامه، ويخضع لتقييم مستمر، محكوم بمعيار واحد لا يقبل التأويل: التميّز في الأداء وجودة الخدمة المقدمة للمواطن. وفي المقابل، شدد على أن الوزارة ماضية في تحفيز المتميزين وتقدير جهودهم، إيمانًا بأن العدالة الإدارية تبدأ بالإنصاف.
ووضع البدور "رحلة المريض" في قلب الخطاب، معتبرًا أن سلاسة هذه الرحلة، منذ دخول المؤسسة الصحية وحتى مغادرتها، هي المعيار الحقيقي لجودة الأداء، وأكد أن رضا المريض ليس تفصيلًا، بل مؤشرًا استراتيجيًا يجب أن تُبنى عليه السياسات والإجراءات.
اللقاء، تناول قضايا محورية، تمس جوهر العمل اليومي، من الالتزام بالدوام الرسمي، ومتابعة الفرق الميدانية، والاستفادة الجادة من تقارير "المتسوق الخفي"، إلى التعامل المسؤول مع ملاحظات ديوان المحاسبة وتصويبها دون تأخير، في إطار من الشفافية والمهنية.
البدور أكد على أهمية الصيانة الدورية للمرافق والأجهزة الطبية، ورفع مستوى النظافة العامة، ومنع التدخين داخل حرم المؤسسات الصحية دون أي تهاون، لما لذلك من أثر مباشر على سلامة المرضى وصورة القطاع الصحي.
وفي بعدٍ إنساني بالغ الدلالة، دعا الدكتور البدور إلى توفير التسهيلات الكاملة لذوي الإعاقة وكبار السن، وضمان حصولهم على الخدمة بكرامة وسهولة، إضافة إلى تشجيع المرضى على الاستفادة من خدمات توصيل الأدوية، تخفيفًا للمعاناة وتقليلًا للاكتظاظ.
كما أولى الوزير ملف الشكاوى أهمية خاصة، مؤكدًا ضرورة التكامل بين ضباط الارتباط ووحدة "صوت متلقي الخدمة" والخط الساخن، وسرعة الاستجابة للملاحظات، باعتبارها أداة إصلاح لا مصدر إزعاج، وجسر ثقة لا حاجز توتر.
وفي تعاطٍ ناضج مع الإعلام، شدد الوزير على أهمية التعامل المهني والمسؤول مع وسائل الإعلام، وتزويدها بالمعلومة الدقيقة في الوقت المناسب، إيمانًا بدورها كشريك في نقل الصورة الحقيقية وتعزيز ثقة الرأي العام.
واختتم اللقاء برسالة تحفيزية واضحة: التميز سيقترن بحوافز مادية وفرص للترقية، وأي موقع قيادي شاغر سيُشغل بالكفاءات المتميزة، وفق معايير العدالة والشفافية وتكافؤ الفرص، ليكون الإنجاز هو جواز العبور الوحيد.
ما يمكن تأكيده، أن هذا اللقاء لم يكن اجتماعًا إداريًا تقليديًا، بل محطة فارقة أعادت تعريف العلاقة بين القيادة والكوادر، وبين الوزارة والميدان، وبين الخدمة والمواطن. إنه نموذج يُحتذى، وسنة حميدة، ورسالة مفادها أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاستماع، ويستمر بالشراكة، ويترسخ بالمحاسبة العادلة، وينتهي برضا المواطن قبل كل شيء.
كما لم يكن هذا اللقاء رقمًا في روزنامة الاجتماعات، ولا مشهدًا بروتوكوليًا عابرًا، بل إعلانًا صريحًا عن انتقال وزارة الصحة من إدارة تعتمد المركز إلى قيادة تنطلق من الميدان، ومن قرارات تُكتب في الغرف المغلقة إلى شراكة تُصاغ مع من يصنعون الخدمة على الأرض.
لقد حمل اللقاء رسالة دولة واضحة مفادها أن صحة المواطن أولوية سيادية، وأن الكفاءة هي معيار الثقة، وأن زمن المجاملة الإدارية قد ولّى، لصالح مرحلة تُقاس فيها المواقع بما تقدمه من أثر، لا بما تشغله من مناصب!