كتب زياد فرحان المجالي
منذ اللحظة التي دخل فيها بنيامين نتنياهو إلى المسرح السياسي الإسرائيلي في تسعينيات القرن الماضي، حاول أن يصوغ لنفسه صورة واحدة لا تتبدّل: القائد الذي يعرف أكثر من غيره، الرجل الذي يرى ما لا يراه الآخرون، والزعيم الذي لا يُخطئ أبدًا. ومع كل أزمة تواجهها إسرائيل – حربًا كانت أم إخفاقًا أمنيًا – يعيد إنتاج الرواية ذاتها: الآخرون فشلوا، أما هو فكان دائمًا على صواب.
الوثيقة الأخيرة التي قدّمها نتنياهو إلى مراقب الدولة بشأن أحداث السابع من تشرين الأول 2023 ليست مجرد ردّ بيروقراطي، بل مرآة كاملة لهذه العقلية. خمسٌ وخمسون صفحة من الدفاع السياسي، بعضها محجوب، مليئة بالاقتباسات الجزئية، والاتهامات المباشرة وغير المباشرة لأجهزة الأمن، والتحميل الممنهج للمسؤولية على الحكومات السابقة. لكنها تخلو من عنصر واحد فقط: الاعتراف بالمسؤولية الشخصية.
نمط متجذّر لا يتغيّر
من يقرأ تقرير نتنياهو اليوم يشعر أنه أمام نسخة مكررة من خطاب قديم. فالرجل يتعامل مع الأحداث الكبرى بالطريقة نفسها منذ أكثر من ربع قرن:
الهزيمة تُنسب للآخرين، والإنجاز يُسجّل باسمه.
في رده على مراقب الدولة، أعاد نتنياهو جذور كارثة السابع من أكتوبر إلى قرارات مثل الانسحاب من لبنان عام 2000، وخطة فك الارتباط مع غزة عام 2005. وكأن ما جرى بعد ذلك – خلال سنوات حكمه الطويلة – لا علاقة له بما حدث.
هذه ليست المرة الأولى التي يلجأ فيها إلى هذا الأسلوب. فبعد حرب لبنان الثانية عام 2006، أمضى سنوات وهو يحمّل حكومة إيهود أولمرت مسؤولية "إضعاف الردع الإسرائيلي”، رغم أن سياساته لاحقًا لم تختلف كثيرًا في الجوهر. وعندما اندلعت انتفاضات القدس عام 2015، ألقى باللوم على "التحريض الفلسطيني” وعلى الحكومات السابقة التي – حسب قوله – لم تكن صارمة بما يكفي.
كاريزما أم مهارة في إعادة كتابة الواقع؟
أنصار نتنياهو يصفونه دائمًا بصاحب "الكاريزما الاستثنائية”. لكن قراءة متأنية لمسيرته تكشف أن سرّ قوته الحقيقي لا يكمن في الكاريزما بقدر ما يكمن في قدرته الهائلة على إعادة تشكيل الواقع سياسيًا وإعلاميًا.
في تقريره الأخير، يعترف نتنياهو بأن الأجهزة الأمنية قدّمت له تقديرات خاطئة عن قدرات حماس، لكنه يتعامل مع نفسه باعتباره متلقيًا سلبيًا لهذه المعلومات، لا صاحب القرار الأول.
هذه الحجة تتجاهل حقيقة بديهية:
في النظام الإسرائيلي، رئيس الحكومة هو المسؤول النهائي عن توجيه الأجهزة الأمنية، ومساءلتها، وتحديد أولوياتها. وإذا كانت هذه الأجهزة قد أخطأت طوال سنوات، فالسؤال المنطقي: من كان يديرها كل تلك السنوات؟
لكن نتنياهو يفضّل أن يقدّم نفسه باعتباره ضحية لتقديرات الآخرين، لا قائدًا مسؤولًا عن فشل منظومته.
اقتباسات منتقاة… ورواية مجتزأة
من أكثر النقاط إثارة في تقريره استشهاده باقتباس من رئيس الشاباك في الساعة 5:15 صباح يوم الهجوم، جاء فيه أن "احتمال اندلاع مواجهة واسعة منخفض”. ويقدّم نتنياهو هذا الاقتباس كدليل على أنه لم يكن بالإمكان توقّع ما حدث.
لكن هذه القراءة الانتقائية تتجاهل أسئلة جوهرية:
من الذي قرر إبقاء الجاهزية منخفضة رغم المؤشرات المتراكمة؟
من الذي امتلك سلطة إعلان حالة الطوارئ؟
ومن الذي اختار الاعتماد المفرط على نظرية "ردع حماس” طوال السنوات الماضية؟
كل هذه القرارات كانت سياسية قبل أن تكون أمنية، ومسؤولها الأول كان نتنياهو نفسه.
سجلّ طويل من الهروب إلى الأمام
ما نراه اليوم في تقرير السابع من أكتوبر هو امتداد طبيعي لمسيرة سياسية كاملة قامت على المبدأ ذاته: الهروب من المسؤولية عبر صناعة رواية بديلة.
بعد اغتيال إسحق رابين عام 1995، قدّم نتنياهو نفسه كمنقذ لإسرائيل من "فوضى اليسار”، رغم أن خطابه التحريضي في تلك المرحلة كان أحد عوامل تسميم الأجواء السياسية.
وعندما اندلعت الانتفاضة الثانية، ألقى باللوم على اتفاق أوسلو، متجاهلًا أن سياساته لاحقًا ساهمت في تعميق الانقسام وتعزيز قوة حماس في غزة.
حتى في الملف الإيراني، الذي يتباهى بأنه "قائده الاستراتيجي الأول”، تحوّل تهديده الدائم بضرب إيران إلى أداة خطابية أكثر منه استراتيجية عملية، فيما ظل البرنامج النووي الإيراني يتقدّم عامًا بعد عام.
في كل محطة، كانت المعادلة واحدة:
إذا تحقق إنجاز فهو إنجازه، وإذا وقع فشل فهو خطأ الآخرين.
الزعيم الذي لا يخطئ… حتى حين يخطئ
أحد أكثر الجوانب دلالة في شخصية نتنياهو هو رفضه المطلق لفكرة الخطأ. ففي قاموسه السياسي، الاعتراف بالخطأ يعني الهزيمة، والهزيمة تعني نهاية الزعامة.
لهذا السبب، يقدّم نفسه دائمًا بوصفه "الرجل الذي حذّر مبكرًا”، حتى حين تكون الوقائع معاكسة. فهو اليوم يهاجم خطة فك الارتباط باعتبارها سببًا لكارثة غزة، رغم أنه صوّت لصالحها في الكنيست. ويهاجم الانسحاب من لبنان، رغم أنه في سنوات حكمه لم يسعَ جديًا لتغيير معادلات الحدود الشمالية.
إنها استراتيجية متكاملة:
إعادة كتابة الماضي بما يخدم الحاضر السياسي.
ثقافة الشخصنة في إدارة الدولة
من يقرأ تقرير نتنياهو يلاحظ بوضوح أن كل شيء يتمحور حول شخص واحد:
بنيامين نتنياهو نفسه.
فهو لا يتحدث بلغة الدولة، ولا بلغة المؤسسات، بل بلغة "الزعيم الفرد” الذي يعرف كل شيء. وحتى عندما يقتبس أقوال قادة الأجهزة الأمنية، فإنه يفعل ذلك ليبرّر موقفه الشخصي، لا ليقدّم مراجعة حقيقية لما حدث.
هذا الأسلوب في إدارة الأزمات ليس جديدًا. فقد فعل الأمر ذاته خلال أزمة كورونا، حيث قدّم نفسه بوصفه "منقذ إسرائيل الصحي”، ثم حمّل المسؤولية لوزارة الصحة عندما تصاعدت الانتقادات.
وفعل الشيء نفسه بعد كل جولة قتال في غزة:
الجيش ينفّذ، والحكومة تنجح، أما عندما تتعثر النتائج، فالمسؤولية تعود إلى الجنرالات.
إسرائيل بين الحقيقة والرواية
المعضلة اليوم داخل إسرائيل لم تعد في معرفة ما حدث يوم السابع من أكتوبر، بل في الصراع على رواية ما حدث.
نتنياهو يريد أن يرسّخ قناعة واحدة:
أن الكارثة كانت نتيجة أخطاء الآخرين فقط، وأنه – رغم كل سنوات حكمه – لا يتحمّل شيئًا منها.
لكن الشارع الإسرائيلي، الذي عاش الصدمة الأكبر في تاريخ الدولة، لم يعد مستعدًا لتقبّل هذه الرواية بسهولة. فحجم الفشل كان أكبر من أن يُختزل في "تقديرات استخباراتية خاطئة”.
الهروب إلى الأمام… حتى النهاية
في المحصلة، يكشف التقرير عن شخصية سياسية ترى في الاعتراف بالخطأ تهديدًا وجوديًا. شخصية تؤمن بأن البقاء في السلطة أهم من الحقيقة، وأن الرواية أهم من الوقائع.
نتنياهو يقدّم نفسه دائمًا باعتباره "المنقذ الأعظم”، لكن المفارقة أن هذا المنقذ يختفي كلما حان وقت تحمّل المسؤولية.
فالقائد الذي يدّعي أنه يمسك بكل الخيوط، يصبح فجأة بلا سلطة عندما تقع الكارثة.
خاتمة: أسطورة تتآكل
قد ينجح نتنياهو في تأجيل المحاسبة لبعض الوقت، وقد يتمكّن من صياغة سردية سياسية تحميه مرحليًا، لكن الحقيقة التي تتكشف يومًا بعد يوم تقول شيئًا مختلفًا:
لا يمكن لزعيم يرفض الاعتراف بأخطائه أن يبقى "منقذًا” إلى الأبد.
أحداث السابع من أكتوبر ستظل جرحًا مفتوحًا في الذاكرة الإسرائيلية، وتقرير نتنياهو الأخير ليس سوى فصل جديد في محاولة طويلة للهروب من الحقيقة.
لكن التاريخ – كما أثبت مرارًا – لا يُكتب بالاقتباسات المجتزأة، بل بالمسؤوليات الواضحة.
وفي هذه المسؤوليات، سيبقى السؤال الأكبر مطروحًا:
هل يمكن لقائد يرفض الاعتراف بخطئه أن يقود دولة تبحث عن الخلاص؟