خارج النص- كتب حلمي الأسمر -
ما يجري اليوم في كيان العدو الصهيوني لا يمكن اختزاله في أزمة حرب، ولا في موجة هجرة ظرفية، ولا حتى في فشل حكومي عابر. نحن أمام انهيار بطيء للفكرة المؤسسة ذاتها؛ الفكرة التي قامت على وعدٍ مركزي: الأمان مقابل الانتماء. وحين يسقط هذا الوعد، تسقط معه الشرعية الوجودية قبل أن تتصدّع البنية السياسية أو العسكرية.
الأرقام الرسمية الصادرة عن مؤسسات الكيان نفسها لا تترك مجالًا للتأويل. فبحسب تقرير صادر عن الكنيست في تشرين الأول/أكتوبر 2025، شهد عام 2023 مغادرة 82.8 ألف شخص كيان العدو بهدف إقامات طويلة الأمد في الخارج، بزيادة بلغت 44% مقارنة بالعام السابق. وسُجِّلت الذروة مباشرة بعد اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة في تشرين الأول/أكتوبر 2023، في دلالة لا تخطئها العين: الصدمة لم تكن عسكرية فقط، بل وجودية.
لم يتوقف النزيف عند هذا الحد. ففي عام 2024، سُجّلت قرابة 50 ألف مغادرة خلال الأشهر الثمانية الأولى فقط. وللمرة الأولى منذ تأسيس الكيان عام 1948، فاق عدد المغادرين عدد العائدين، مسجّلًا أكبر فجوة صافية في تاريخ الهجرة الصهيونية المعاكسة. هذا التحوّل لم يكن استثناءً؛ بل ترسّخ في عام 2025، حيث أفاد مكتب الإحصاء المركزي التابع للكيان بأن نحو 70 ألفًا غادروا خلال العام، مقابل 19 ألف عائد فقط.
وأكد مركز طاوب لدراسة السياسات الاجتماعية أن هذه الهجرة الواسعة أسهمت، إلى جانب تراجع الخصوبة وارتفاع الوفيات المرتبطة بالحرب، في تباطؤ نمو السكان بعد سنوات من الارتفاع المتواصل. وفي المحصلة، غادر أكثر من 150 ألف مستوطن خلال عامين فقط، ليرتفع العدد إلى ما يزيد على 200 ألف منذ تولّي الحكومة الصهيونية الحالية الحكم أواخر عام 2022.
هذه الأرقام لا تعبّر عن "هجرة سلبية” بالمعنى الاقتصادي، بل عن انكسار الثقة بالمشروع الصهيوني نفسه. فحتى على صعيد الهجرة إلى الكيان، تشير التقارير العبرية إلى أنه رغم ارتفاع الطلبات بسبب تصاعد معاداة السامية في الخارج، فإن الحرب المفتوحة وانعدام الإحساس بالأمان دفعا كثيرين إلى التراجع أو تأجيل القرار. وهنا يتفكك جوهر السردية الصهيونية: إذا كان الكيان هو الملاذ الآمن لليهود، فلماذا لم يعد يُقنع لا أبناءه ولا طالبي الهجرة إليه؟
هذا السؤال طرحته بوضوح مجلة مجلة 972+ في تحقيق أعدّته الصحافية هيلا عميت، استند إلى شهادات مستوطنين غادروا الكيان خلال العامين الماضيين. وتخلص المجلة إلى أن هذه الشهادات تعبّر، في جوهرها، عن فقدان عميق للثقة بالمشروع الصهيوني ذاته، لا بسياسات حكومة بعينها. وترى أن هذه الهجرة، التي تقترب من مفهوم النزوح، تطعن في ركائز الأيديولوجيا الصهيونية، وتكشف حدود خطاب "المسؤولية الجماعية” الذي طالما قُدِّم كغراء داخلي للمجتمع الصهيوني.
الأخطر أن هذا التشخيص لا يصدر فقط عن إعلام مستقل أو معارض. فالبروفيسور أريئيل فيلدشتاين، المؤرخ في جامعة أريئيل الاستيطانية، كتب في صحيفة يسرائيل هيوم (3 كانون الثاني/يناير 2026) أن الهجرة الواسعة من الكيان لا تعود إلى أسباب اقتصادية فحسب، بل تنبع من أزمة ثقة عميقة بالإحساس بالأمان، وباستقرار النظام، وبمستقبل يبدو ضبابيًا. ويؤكد أن اختيار عشرات الآلاف الرحيل بعد ما يسميه "انكسارًا وطنيًا” يدلّ على تصدّع التصوّر الأساس للكيان كملاذ ووطن، محذّرًا من أن هذه العملية تراكمية، تُضعف النسيج الاجتماعي وتُقوّض ما يُسمّى "المناعة الوطنية”.
وتزداد الصورة قتامة مع ما نشرته صحيفة معاريف في تقريرها الصادر في 4 شباط/فبراير 2026، حول تصاعد هجرة الأدمغة. إذ تشير الصحيفة، استنادًا إلى تقديرات مصادر مطلعة، إلى أن نحو 400 ألف مستوطن هاجروا منذ اندلاع الحرب على غزة. كما يبيّن تقرير مكتب الإحصاء المركزي أن نحو 55 ألفًا من حملة شهادات البكالوريوس والماجستير يقيمون خارج الكيان، إضافة إلى أن 16% من حملة شهادة الدكتوراه يعيشون في الخارج. وتقرّ الصحيفة بأن ما يحدث يمثّل إخفاقًا استراتيجيًا يتجاوز الحرب، ويتصل أيضًا بهجوم الحكومة على الجامعات والبحث العلمي.
في مواجهة هذا التآكل، يعود الخطاب الصهيوني القديم بصيغة أكثر فزعًا: "الفجوة الديموغرافية”، "الأغلبية اليهودية”، و”الأمن القومي”. غير أن هذا الهوس الديموغرافي ليس حلًا، بل علامة ذعر أيديولوجي. فالدولة التي تحتاج إلى استيراد السكان لتثبيت شرعيتها، هي دولة فقدت قدرتها على إنتاج الانتماء من داخلها.
الخلاصة أن غزة لم تكسر جيش كيان العدو الصهيوني فحسب، بل كسرت أسطورة الأمان التي قام عليها المشروع الصهيوني كله. ومع انكسار هذه الأسطورة، بدأ الانهيار من الداخل: انهيار الفكرة قبل الدولة، والوعد قبل المؤسسة، والثقة قبل الحدود. وحين تسقط الفكرة، لا تعود الدولة أكثر من كيانٍ مسلّحٍ بلا إيمان، وسكانٍ يحملون جوازات سفر وهم يبحثون عن مطارات.