في السياسة، لا شيء بريئًا. حتى الأسماء ليست مجرد كلمات، بل أدوات صراع. وحين يتحدّث بنيامين نتنياهو عن استبدال ختم السلطة الفلسطينية على معبر رفح بختم جديد يحمل اسم "مجلس السلام”، فإننا لا نكون أمام تعديل إداري بسيط، بل أمام محاولة إعادة صياغة الواقع السياسي برمّته.

السؤال الحقيقي ليس: ماذا سيُكتب على الختم؟
السؤال هو: ماذا يريد نتنياهو أن يمحو من الذاكرة، وماذا يريد أن يفرض على الأرض؟

معبر رفح ليس نقطة حدودية عادية. هو الرمز الأخير المتبقي للصلة الفلسطينية مع العالم الخارجي دون المرور الكامل عبر بوابة الاحتلال. لذلك فإن تحويله من معبر تديره سلطة فلسطينية – ولو شكليًا – إلى معبر يخضع لكيان أمريكي–إسرائيلي مُسمّى "مجلس السلام”، يعني عمليًا سحب آخر خيط من خيوط السيادة الفلسطينية.

الهدف الأول لنتنياهو واضح: إلغاء أي حضور رسمي لفلسطين في غزة.
فمجرد وجود ختم يحمل اسم "السلطة الفلسطينية” يعني اعترافًا ضمنيًا بكيان فلسطيني، ولو كان ضعيفًا ومحدود الصلاحيات. أما استبداله بختم أمريكي الطابع، فيعني أن غزة لم تعد قضية شعب، بل "منطقة إدارة دولية” بلا صاحب.

هنا تكمن الخطورة الحقيقية. فالمعركة ليست على اسم المعبر، بل على سؤال أكبر:
هل تبقى غزة جزءًا من القضية الفلسطينية، أم تتحول إلى ملف إنساني–أمني تُدار شؤونه من الخارج؟
نتنياهو يدرك جيدًا أن السيطرة العسكرية وحدها لا تكفي. فبعد عام 2023 تبيّن لإسرائيل أن حكم غزة بالقوة المباشرة مكلف ومستحيل. لذلك جاء التفكير ببدائل شكلية: إدارة مدنية بلا سيادة، مجالس محلية بديلة، وهيئات دولية مصطنعة، وأخيرًا "مجلس السلام” الترامبي.

إرضاءً لمن يفعل نتنياهو ذلك؟
أولًا: إرضاءً للولايات المتحدة.
الإدارة الأمريكية الحالية تريد مخرجًا سياسيًا من مأزق غزة دون أن تضطر للاعتراف بدولة فلسطينية. لذلك تُطرح صيغ هجينة: إدارة دولية، قوات متعددة الجنسيات، أو "مجلس سلام” يتولى الإشراف على المعابر. نتنياهو يقدّم هذه الخطوات على أنها استجابة للرؤية الأمريكية، بينما هي في حقيقتها تكريسٌ للسيطرة الإسرائيلية بصيغة جديدة.

ثانيًا: إرضاءً لقاعدته الانتخابية المتطرفة.
في الداخل الإسرائيلي، يتعرّض نتنياهو لضغوط هائلة من اليمين الذي يرفض أي عودة للسلطة الفلسطينية إلى غزة. تغيير اسم المعبر ومنع أي دور فلسطيني فيه يمنحه ورقة سياسية يقول بها لمناصريه: "انظروا، أزلنا فلسطين حتى من الختم”.

ثالثًا: محاولة إعادة كتابة رواية الحرب.
نتنياهو يريد أن يوحي بأن ما جرى بعد السابع من أكتوبر أنهى فكرة "غزة الفلسطينية” إلى الأبد. وأن القطاع بات كيانًا منزوع الهوية السياسية، يمكن التعامل معه كمنطقة أمنية خاضعة للإدارة لا كجزء من شعب.

لكن ماذا يعني ذلك لمستقبل القضية؟
إذا نجح هذا المخطط، فسنكون أمام سابقة خطيرة:
إدارة معبر حدودي فلسطيني دون أي حضور فلسطيني. وهذه ستكون خطوة تمهيدية لتوسيع الفكرة لاحقًا إلى إدارة الموانئ، والمساعدات، وربما البلديات والخدمات، وصولًا إلى نموذج "غزة بلا فلسطين”.
هذا بالضبط ما يحلم به نتنياهو:
غزة منزوعة السيادة، منزوعة الهوية، ومقطوعة الصلة السياسية بالضفة الغربية، بحيث تُدفن عمليًا فكرة الدولة الفلسطينية تحت لافتة "الإدارة الدولية”.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا مما يتصوّر.
التجارب التاريخية تقول إن تغيير الأسماء لا يغيّر الحقائق.
معبر رفح ظل فلسطينيًا حتى عندما أُغلق، وحتى عندما حاصرته إسرائيل لسنوات. والشعب الفلسطيني لم يختفِ عندما حاول الاحتلال محو اسمه من الخرائط.

أما السؤال الذي يطرحه الناس بقلق:
هل يمكن أن يقود هذا المسار إلى تكرار أحداث بحجم السابع من أكتوبر مستقبلًا؟
الحقيقة أن السياسات التي تُبنى على الإلغاء والقهر لا تصنع استقرارًا. فكل محاولة لفرض حلول شكلية فوق واقع سياسي محتقن تؤجّل الانفجار ولا تمنعه. تحويل غزة إلى منطقة بلا أفق سياسي حقيقي هو وصفة دائمة لعدم الاستقرار.
الشعب الفلسطيني، مهما طال الزمن، لن يقبل أن يُدار كملف إغاثي.
وغزة، مهما تبدّلت الأختام على معبرها، ستبقى جزءًا من قضية وطنية لا تختصرها إدارة أمريكية ولا قرار إسرائيلي.
المفارقة أن نتنياهو يعتقد أنه بقرار إداري يمكنه شطب حقائق التاريخ. لكنه ينسى أن الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لم يكن يومًا صراع أسماء، بل صراع حقوق. وعندما تُلغى الحقوق تُفتح أبواب أزمات جديدة بدل أن تُغلق.
لذلك، فإن محاولة استبدال "ختم السلطة الفلسطينية” بـ"ختم مجلس السلام” ليست سوى خطوة رمزية في مشروع أكبر:
مشروع نزع الشرعية السياسية عن فلسطين، وتكريس أمر واقع جديد بالقوة والالتفاف.
لكن العالم تغيّر، والمنطقة تغيّرت، والوعي الشعبي تغيّر أيضًا.
وما قد يبدو انتصارًا تكتيكيًا لنتنياهو اليوم، قد يتحول غدًا إلى مأزق استراتيجي أكبر.
أن تغيير اسم المعبر لن يغيّر هوية المعبر، كما أن تغيير الأختام لن يمحو الشعوب. وغزة ستبقى غزة، بفلسطينيتها، وبأهلها، وبذاكرتها التي لا تُستبدل بقرار سياسي ولا بتوقيع إداري.