لم تعد أزمة الدخل في الأردن مجرد أرقام تُتداول في التقارير، بل أصبحت واقعًا يوميًا يعيشه الشباب بكل تفاصيله. فعندما يُصنَّف من يقل دخله عن 800 دينار شهريًا ضمن دائرة الفقر، ويُعتبر 1100 دينار مستوى "مستقرًا"، و1400 دينار طبقة متوسطة، و1800 دينار أعلى من المتوسط، بينما يُعد 3000 دينار مستوى مريحًا جدًا و5000 دينار غنىً واضحًا، فإن السؤال الحقيقي ليس في التصنيف، بل في القدرة على الوصول. متوسط الأجر الفعلي الذي يدور حول ٤٠٠-٦٠٠ دينار شهريًا يجعل هذه المستويات أقرب إلى الطموح منها إلى الواقع.
الالتزامات الشهرية لا تنتظر تحسن الرواتب. الإيجار وحده قد يلتهم ثلث الدخل أو أكثر، ثم تأتي فواتير الكهرباء والماء، والمواصلات، والمواد الغذائية، وأقساط الجامعات، والاتصالات، وأي طارئ صحي قد يقلب الموازين. في ظل هذا الواقع، تلجأ شريحة واسعة من الأردنيين إلى الاقتراض؛ تشير التقديرات إلى أن نحو 35% من الأسر لديها التزامات ائتمانية أو قروض، ما يعني أن جزءاً كبيرًا من الدخل الشهري يذهب لسداد أقساط سابقة قبل التفكير بأي تحسين في مستوى الحياة. هكذا يدخل الشاب في دائرة مفرغة: راتب محدود، التزامات متزايدة، ودين يُسدد بدين.
تتفاقم الصورة مع معدلات بطالة تتجاوز 20% بين الشباب، وترتفع أكثر بين الإناث. البطالة لا تعني فقط غياب الدخل، بل تعني تأجيل الأحلام، وتأخير الزواج، والاعتماد المستمر على الأسرة. صعوبات الزواج اليوم لم تعد مرتبطة بالكماليات، بل بأساسيات الحياة؛ تكلفة تأسيس منزل، وتأمين إيجار مستقر، وتحمل مصاريف يومية في ظل دخل بالكاد يغطي الفرد نفسه. لذلك يتجه كثيرون إلى تأجيل الارتباط، أو الدخول فيه وهم مثقلون بالديون، ما يضع ضغطًا إضافيًا على الحياة الزوجية. وتشير تقديرات إلى أن ما يقارب 15% من حالات الطلاق تعود بشكل مباشر أو غير مباشر لأسباب اقتصادية، حيث يتحول العجز المالي إلى توتر دائم داخل الأسرة.
لكن أخطر ما في المشهد ليس فقط ضعف الدخل أو تراكم الديون، بل "الصمت". الصمت الذي بات التعبير الرئيسي عن العجز وضعف الحال. صمت الشاب الذي لا يستطيع شرح ضيقه، وصمت الأب الذي يقتطع من احتياجاته ليسد التزامًا جديدًا، وصمت الزوجة التي تخشى الحديث عن مصروف البيت. هذا الصمت ليس رضا، بل تعب مكبوت. هو نتيجة شعور عام بأن الشكوى لن تغيّر شيئًا، وأن الجميع يعيش الأزمة ذاتها. وهنا تكمن الخطورة، حين يتحول الضغط الاقتصادي إلى حالة داخلية صامتة، يصبح المجتمع بأكمله أكثر هشاشة.
ورغم قسوة الصورة، فإن الحلول ليست مستحيلة إذا توافرت الإرادة والرؤية. أولًا، لا بد من إعادة النظر في سياسات الأجور، وربط الحد الأدنى للأجور بمؤشر غلاء المعيشة بشكل دوري، بحيث لا يبقى الدخل ثابتًا بينما تتصاعد الأسعار. ثانيًا، تشجيع الاستثمار في قطاعات عالية القيمة مثل التكنولوجيا والصناعات الرقمية، وخلق حوافز حقيقية للشركات التي توظف الشباب برواتب عادلة. ثالثًا، دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر تسهيلات تمويلية منخفضة الفائدة، مع برامج تدريب إداري ومالي، حتى لا يتحول القرض إلى عبء إضافي بل إلى فرصة إنتاج.
كذلك، يحتاج النظام التعليمي إلى مواءمة أكبر مع سوق العمل، بحيث يتم توجيه الشباب نحو تخصصات مطلوبة فعلًا، وتوسيع التدريب المهني والتقني ليصبح خيارًا محترمًا ومربحًا، لا بديلًا اضطراريًا. ومن الضروري أيضًا تعزيز الثقافة المالية لدى الشباب، عبر برامج توعوية حول إدارة الدخل، والادخار، وتجنب الديون الاستهلاكية غير الضرورية.
أما على المستوى الاجتماعي، فهناك حاجة إلى مراجعة بعض المبالغات في تكاليف الزواج، وتشجيع نماذج أبسط وأكثر واقعية، تحمي الاستقرار بدل أن تثقل كاهل المقبلين على الحياة. المسؤولية هنا جماعية؛ دولة ومجتمع وأفراد.
في النهاية، ما يعيشه الشباب الأردني اليوم ليس مجرد أزمة رواتب، بل أزمة توازن بين الطموح والقدرة، بين الرغبة في حياة كريمة والواقع الاقتصادي الصعب. وبين كل هذه التفاصيل تبقى «الصفحة التي تركناها مفتوحة» رمزًا لحالة الانتظار التي يعيشها كثيرون؛ صفحة لم تُغلق لأن الحلم لم يتحقق بعد، ولم تُكتب نهايتها لأن الصمت ما زال حاضرًا. لكن الفرق بين صفحة تُترك مفتوحة استسلامًا، وأخرى تُترك إيمانًا بفرصة قادمة، هو القرار. والسؤال الحقيقي: هل نبقى أسرى الصمت، أم نحول هذه الصفحة إلى بداية كتابة مختلفة؟