خارج النص- كتب حلمي الأسمر
في الصور التي انتشرت من "مجلس السلام”، تجلس الدول مصطفّة تحت أعلامها، تتحدث عن الاستقرار، وعن اليوم التالي، وعن الأمن الإقليمي. كل شيء حاضر: الخرائط، المصالح، الترتيبات، التفاهمات… إلا الاسم الذي من أجله انعقد المجلس أصلًا. لا "فلسطين” على الطاولة، ولا "غزة” في اللافتات، ولا ممثلًا لشعب يُفترض أن السلام يُصنع من أجله.
هذه ليست صدفة لغوية.
إنها إعادة تعريف كاملة للصراع.
حين يُمحى الاسم، يُمحى الحق.
وحين يُستبدل "الاحتلال” بـ"الاستقرار”، تتحول القضية من مسألة تحرر وطني إلى ملف أمني.
وحين تُناقَش غزة كـ"مشكلة” لا كـ"شعب”، يصبح الحل إدارةً للأزمة لا إنهاءً لها.
المفارقة أن المجلس يُسمّى "سلامًا”، لكنه يقوم على تغييب الطرف الأضعف. سلامٌ بلا أصحاب قضية هو في جوهره ترتيب قوى، لا عدالة. إنه انتقال من سؤال: "كيف ننهي الاحتلال؟” إلى سؤال: "كيف نُبقي المنطقة هادئة؟” والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الحق والهدنة.
في هذا النموذج، تتحول غزة إلى:
ملف إنساني يُدار بالمساعدات،
ملف أمني يُضبط بالتنسيق،
ملف سياسي يُؤجَّل إلى أجل غير مسمّى.
أما فلسطين كهوية وحق وسيادة، فتُدفع إلى الهامش. ليس لأن وجودها غير مهم، بل لأن حضورها يُربك معادلة القوة. وجودها يعني طرح أسئلة محرجة عن السيادة، والحدود، والقدس، واللاجئين. لذلك يصبح الأسهل هو الحديث عن "إقليم” بدل "وطن”، وعن "استقرار” بدل "حرية”.
هنا تكمن الخطورة:
أن يتحول السلام إلى إطار يُنظَّم فيه الواقع القائم، لا يُغيَّر.
وأن يصبح الهدف ليس إنهاء الصراع، بل تجميده تحت سقف توازنات جديدة.
لكن التاريخ يقول شيئًا آخر:
لا يمكن صناعة سلام مستدام بإقصاء الطرف المعني.
ولا يمكن تثبيت استقرار طويل الأمد فوق أرضٍ لم تُحلّ عدالتها.
قد تنجح المجالس في إدارة اللحظة،
وقد تُنتج تفاهمات تكتيكية،
لكن السلام الذي لا يمرّ عبر أصحاب القضية سيبقى عنوانًا بلا مضمون.
السؤال ليس لماذا غابت غزة عن الصورة.
السؤال: هل يمكن أن ينجح "مجلس سلام” يُقصي الاسم الذي من أجله وُجد؟