كتب - زياد فرحان المجالي

لم يكن تصريح السفير الأميركي لدى إسرائيل، Mike Huckabee، بأنّه "لا بأس إذا استولت إسرائيل على الشرق الأوسط” مجرد رأي عابر أو تأمل لاهوتي في نص قديم. كان تصريحًا صادمًا، يتجاوز حدود اللياقة الدبلوماسية، ويمسّ جوهر النظام الدولي القائم على سيادة الدول واحترام الحدود.

حين يُسأل دبلوماسي يمثل دولة عظمى عن حدود دولة أخرى، فيجيب باستدعاء نص توراتي يتحدث عن أرض "من النيل إلى الفرات”، فإننا لا نكون أمام تحليل استراتيجي، بل أمام خطاب أيديولوجي يخلط بين الإيمان الشخصي والسياسة الدولية. والأسوأ أن هذا الكلام قيل في مقابلة إعلامية مع Tucker Carlson، أي في فضاء عام يُقرأ سياسيًا، لا دينيًا.

أي تاريخ هذا الذي يُستدعى اليوم لتبرير مشروع توسّعي في القرن الحادي والعشرين؟

إذا قررنا العودة إلى التاريخ، فلنعد إليه كاملًا، لا مجتزأً. في عام 1948، وفي السنوات الأولى بعد قيام دولة Israel، وُثّقت بالكاميرا مشاهد في معسكرات استقبال المهاجرين اليهود الجدد — خصوصًا القادمين من دول عربية — وهم يُرشّون بمبيدات كيميائية بزعم "التعقيم” من القمل والصيبان. هذه الصور موجودة في الأرشيفات الإسرائيلية نفسها، وعُرضت في تحقيقات وتقارير أثارت لاحقًا نقاشًا داخليًا حول التمييز الذي تعرّض له يهود الشرق (المزراحيم) مقارنة بالقادمين من أوروبا.
أليس هذا أيضًا جزءًا من التاريخ؟

قبل أن يتحدث أحد عن "استيلاء” على الشرق الأوسط، أليس الأولى مواجهة صفحات الماضي بشجاعة؟ التاريخ ليس مخزنًا للشعارات ولا بنكًا للنصوص الانتقائية. هو سجلٌّ كامل، فيه لحظات قوة، وفيه لحظات ضعف وأخطاء وانقسامات داخلية. ومن يريد أن يبني خطابًا توسعيًا على التاريخ، عليه أن يتحمّل كامل روايته.

ثم دعونا ننتقل من التاريخ إلى الواقع. الشرق الأوسط ليس فراغًا جغرافيًا ينتظر من "يستولي” عليه. هو فسيفساء دول ذات سيادة، وشعوب متجذّرة في أرضها، وجيوش واقتصادات وتحالفات. هل يتخيّل أحد، بجدّية سياسية، أن مشروعًا بهذا الحجم يمكن أن يتحقق في عالم تحكمه توازنات قوة دقيقة وكلفة عسكرية واقتصادية هائلة؟

لقد أثبتت التجارب الحديثة أن السيطرة بالقوة لا تعني استقرارًا. العراق، أفغانستان، جنوب لبنان — كلها شواهد على أن الاحتلال في العصر الحديث يولّد مقاومة مستمرة، وأن فرض واقع جغرافي لا يصنع قبولًا سياسيًا.

الأخطر في تصريح هاكابي أنه يتجاوز جوهر القانون الدولي. ميثاق الأمم المتحدة، الذي جاء بعد حرب عالمية مدمّرة، وضع مبدأ واضحًا: حظر الاستيلاء على أراضي الغير بالقوة. هذا ليس تفصيلًا قانونيًا ثانويًا، بل قاعدة أساسية لمنع الفوضى الدولية. فإذا بدأ دبلوماسيون كبار يتحدثون بخفة عن "لا بأس” في الاستيلاء على أراضي الآخرين، فإنهم يبعثون برسالة خطيرة إلى العالم مفادها أن القوة يمكن أن تحل محل الشرعية.

ثم إن الولايات المتحدة نفسها، التي يمثلها السفير، قامت على فكرة الدولة الدستورية الحديثة، لا على وعد ديني جغرافي. الدستور الأميركي لم يُبنَ على نص لاهوتي يحدد الحدود، بل على عقد اجتماعي بين مواطنين. فكيف يُختزل مفهوم الدولة الحديثة فجأة في قراءة عقائدية للخرائط؟

الغضب من هذا التصريح ليس عداءً لدين، ولا استهدافًا لشعب. هو اعتراض عقلاني على خطاب يروّج لمنطق الهيمنة والتوسع في منطقة تعيش أصلًا توترات مزمنة. الكلمات في السياسة ليست عابرة. هي إشارات ورسائل، وقد تتحول إلى شرارات في بيئة قابلة للاشتعال.

الشرق الأوسط لا يحتاج إلى مزيد من الخرائط المتخيلة، بل إلى عقل بارد يدرك حجم التعقيد الإقليمي. من يتحدث عن "استيلاء” على المنطقة يتجاهل حقائق الديموغرافيا، والاقتصاد، والتاريخ المقاوم لشعوب عرفت كيف تدافع عن أرضها عبر قرون.
إن استدعاء نصوص قديمة لتبرير مشاريع سياسية حديثة هو قفز فوق قرون من تطور مفهوم الدولة. العالم اليوم — رغم عيوبه — يقوم على منظومة سيادة وحدود معترف بها دوليًا. وإذا فتحنا باب "الوعود التاريخية” كمصدر لشرعية الحدود، فلن يبقى حجر على حجر في النظام العالمي.
من يريد أن يكتب التاريخ من جديد، عليه أولًا أن يفهم الحاضر. ومن يريد أن يتحدث عن الهيمنة، عليه أن يواجه حقائق الواقع: القوة ليست مطلقة، والخرائط لا تُرسم بالأمنيات، والمنطقة ليست ساحة مفتوحة لتجارب أيديولوجية.

التاريخ لا يُختصر في عبارة، والشرق الأوسط ليس صفحة بيضاء. ومن يتحدث باسم دولة كبرى، عليه أن يزن كلماته بميزان المسؤولية، لا بميزان الشعارات. لأن المنطقة التي احترقت كثيرًا، لا تحتمل مزيدًا من النار.