ترجمة - هآرتس *

يمكن ملاحظة ظاهرة غريبة على الجدار المحيط بالضفة الغربية. فقرب بوابة أمنية مغلقة بسلاسل توجد كومة قمامة عليها ضفدع خضراء وبجانبها ممر عليه أعلام إسرائيل على الجانبين، وهو يؤدي إلى البؤرة الاستيطانية القريبة من الجدار. وفي الشرق منها، في عمق المنطقة، تقع قرية فلسطينية. يوفر طريق الجدار، وهو طريق أمني، المدخل الوحيد للبؤرة الاستيطانية التي يسكن فيها إسرائيليون. وهذه ليست حالة فريدة، بل نمط جديد. هذه الظاهرة التي رصدتها جمعية "كيرم نبوت” البحثية، تشمل حالياً 11 بؤرة استيطانية أقيمت على بعد مئات الأمتار من مسار الجدار الأمني، وتفصل بينه وبين القرى الفلسطينية، في مناطق لم تكن فيها مستوطنات من قبل. عملياً، تتعزز هذه البؤر الاستيطانية الجدار من الداخل. لقد أقيم معظمها أثناء الحرب، أقيمت أربعة منها داخل ميادين الرماية، وأقيمت أخرى على أطرافها، لكن مراعيها موجودة داخل مناطق الرماية.

الطريق الحصرية لهذه البؤر الأربع هو بالمشي على طول الطريق المحاذي للجدار، وفي ثلاث منها على الأقل يتطلب النزول إلى البؤرة المرور عبر بوابة في الجدار الأمني. مواقع البؤر الاستيطانية معروفة للقوات في المنطقة، وهي لا تمنع المدنيين من السير على طول الطريق الأمني في الأجزاء المؤدية إليها. وذلك رغم أن الطريق الأمني هي شارع أمني لا يجب على المدنيين السير فيه، وبالتأكيد ليس من المفروض أن يستخدم كطريق وصول وحيدة للإسرائيليين إلى أي مستوطنة.

"نحن الفاصل الدفاعي بين منظمات المقاومة (...) ومواطني إسرائيل”، قال رئيس الأركان إيال زامير في مناورة لفرقتين، التي جرت في قيادة المنطقة الوسطى في تشرين الثاني الماضي. هذه المواقع الدفاعية التي تعتبر ظاهرياً مستوطنات مدنية، تحول الدور العسكري لـ "الحاجز الدفاعي” إلى دور خاص، لأنها تصبح هي نفسها الجبهة. في هذه الحالة، لن يطلب من الجيش حماية المدنيين على طول خط التماس فقط، بل إن المدنيين أنفسهم يُستخدمون كبنية تحتية أمنية مستقلة.

يضاف إلى هذه الظاهرة بؤر استيطانية في الجيوب، في مناطق الضفة الغربية وقرب محور الجدار. بؤر استيطانية في منطقة خط التماس تفصل بصورة أقل وضوحاً بين القرى الفلسطينية وبين جدار الفصل. ولكنها توسع الوجود المدني الإسرائيلي في الفضاء، وقد تخلق تواصلاً استيطانياً بين إسرائيل والضفة الغربية. هي تشكل بالفعل تراجع إلى خط الحدود. "إقامة سلسلة البؤر الاستيطانية غير القانونية على طول جدار الفصل وحقيقة أن أجزاء كبيرة من مسار الجديد تحولت إلى شوارع وصول إلى هذه البؤر، هي الدليل على أن مشروع البؤر الاستيطانية تحول منذ تسلم آفي بلوط لمنصب قائد المنطقة، من مشروع يحافظ عليه الجيش ويتعاون معه إلى مشروع بلطجي، الجيش نفسه شريك فيه مباشرة وحتى يمول أجزاء منه”، قال درور ايتكس من جمعية "كيرم نبوت”.

إسرائيل غانتس، رئيس المجلس الإقليمي "متيه بنيامين” ورئيس مجلس "يشع”، غرد في أيار 2025 في "اكس”: "يجب أن يتغير مفهوم الأمن، يجب أن يختفي هذا المفهوم مع جدران كهذه”، بالإشارة إلى الجدران المحلية على طول الطرق على جوانب قرى فلسطينية. "أيضاً في غزة، كان هناك جدار متطور "قوي”، لكن هذا الجدار فعلياً استدعى المخربين إلى الداخل وأبعد "اعرف عدوك” عن القيادة العليا. لقد انقلب هذا الجدار ضدنا هناك، ولا فرق جوهرياً بينه وبين ما يحدث هنا. آمل ألا يطول اليوم الذي يحدث فيه التحول الفكري وتتم إزالة هذه الجدران التي تشكل وهماً خطيراً.

جدار الفصل ما زال موجوداً، لكن سلوك جهاز الأمن إزاء الاستخدام المدني فيه يشير إلى تغير في الرؤية. لطالما كانت الحدود بين العسكري والمدني في الضفة الغربية غير واضحة لعقود، وقد تفاقم الوضع منذ تشكيل الحكومة الحالية وأثناء الحرب، بما في ذلك سلوك قوات الدفاع القطرية. ولكن وجود كومة قمامة لمستوطنة إسرائيلية تنتظر الإخلاء على طريق الجدار، يشكل تصعيداً صارخاً. ويزعم ايتكيس بأن هذا التغيير يعكس سيطرة اليمين المتطرف على مراكز القوة، ليس فقط في الحكومة، بل في الجيش أيضاً. ويضيف بأن مراكز القوة هذه في الجيش "تعيد تعريف المصالح الأمنية لدولة إسرائيل بما يخدم مصالح سياسية لليمين المتطرف”.

يتضح تورط المستوى السياسي وتكامله مع المستوى العسكري بوضوح في البؤر الاستيطانية التي تبطن جدار الفصل والتي أقيمت في العام 2025. ورغم أنها مزارع جديدة لم تتعزز حتى الآن، فقد أعلن المستوى السياسي في كانون الأول الماضي عن البدء في شرعنتها. وما زالت مواقع معزولة كثيرة، التي يعود تاريخ بعضها إلى عقود سابقة، تنتظر الشرعنة، بؤرة رأس العين واقعة داخل منطقة النيران 203، ولا يمكن الوصول إليها إلا من خلال بوابة في الجدار. بعد أشهر على إقامتها، قررت القيادة السياسية إقامة مستوطنة في مكانها. من المرجح إقامة المستوطنة في منطقة التماس غرب الجدار، لكن في الوقت الحالي تحرس المنطقة مزرعة واقعة شرقها. "هار بيزك” تعتبر استثناء من بين "بؤر التبطين الاستيطانية” وتوجد في بقعة معزولة على عمق بضعة أمتار داخل المنطقة. لا يمكن الوصول إليها إلا من خلال طريق تخضع لأمر وضع يد عسكري صادر في حزيران 2025، الذي يمر عبر منطقة الرماية 900. وللوصول إلى الموقع، يجب الصعود إلى طريق الجدار عند معبر الغور، والسير فيه أكثر من 6 كم على طريق متعرجة إلى البوابة الواقعة في الجدار، والتي تؤدي إلى طريق استولت عليه القوات المسلحة، ويمر داخل منطقة الرماية. من هناك يجب مواصلة السير لبضع كيلومترات أخرى للوصول إلى البؤرة الاستيطانية.

تجدر الاشارة إلى أن أوامر الاستيلاء العسكري مخصصة للاستخدام المؤقت من قبل القوات لأغراض أمنية، أي خدمة الجيش وليس السكان.

بؤرة "هار بيزك” الاستيطانية موجودة على أرض دولة، وعلى بعد عشرات الأمتار عن المنطقة "أ”. في المنطقة التي تفصل بين غور الأردن وشمال السامرة. وهي تعتبر من بين الـ 19 بؤرة استيطانية التي تمت شرعنتها مؤخرا، وتبعد 10 كم عن "غانيم وكاديم” تقريباً، التي تم إخلاؤها في عملية الانفصال وتقررت العودة إليها من خلال هذا القرار. في شمال "هار بيزك” وفي شرق "غانيم وكاديم” خصصت شعبة الاستيطان في 2021 أراضي دولة من أجل الرعي، التي تبطن من الداخل جدار الفصل، في حين يوجد على الجانب الآخر مستوطنة "ملخيشوع” في "الجلبوع”. وحسب معرفتنا، لم تتم إقامة بؤرة استيطانية في هذه المنطقة، لكن هذا التخصيص يسمح بإقامة بؤرة تبطين أخرى في الطرف الشمالي من شرق السامرة.

إضافة إلى بؤرتي التبطين اللتين تمت شرعنتهما، هناك تسع بؤر أخرى، من بينها مزرعة "تل عدشا” جنوب جبل الخليل الواقعة على قطعة أرض خارج الخط الأخضر، لكن في المنطقة القريبة من شارع الجدار، وعلى مشارف منطقة التدريب 918، التي تستخدمها المزرعة للرعي. وللمزرعة مدخل خاص من محور الجدار الذي يمر بقاعدة عسكرية. وهناك في جنوب جبل الخليل بؤرة التبطين "حفوت شني” التي كانت قريبة من التجمعات السكانية في "عفين”، ومزرعة "شموروت هشتوت” ومزرعة "نتاريم”، القريبة من خربة زنوتا، التي تم تهجيرها إثر أعمال عنف المستوطنين.

على الجانب الغربي من خط التماس خمس بؤر استيطانية، أربع منها داخل منطقة تدريب محظورة على المدنيين. مثلاً، لا يمكن الوصول إلى مزرعة "أوروت” التي أقيمت داخل منطقة تدريب قريبة من أراضي زراعية فلسطينية، إلا من خلال شارع الجدار. الجنود الإسرائيليون يسلمون الفلسطينيين الذين يحاولون الاقتراب من أراضيهم أوامر إغلاق لمنطقة "حفات اوروت” التي تشمل فيها أيضاً مناطق "ب”. وذكر الجيش الإسرائيلي أنه "في أعقاب مواجهات في المنطقة، قرر القائد العسكري إعلان المنطقة كمنطقة عسكرية مغلقة لمدة شهر تقريباً أمام كل سكان المنطقة من أجل الحفاظ على الأمن فيها”. وفي المنطقة الموجودة بين "موديعين عيليت” و”أورانيت” أقيمت ثلاث بؤر تبطين: "حفات حيسد عولام” و”حفات افيحايط و”حفات رأس العين”.

إضافة إلى تبطين منطقة خط التماس، فإن هناك توجهاً لإقامة بؤر استيطانية تعزل شمال غور الأردن. والشارع الذي تم شقه في شمال الغور قرب قريتي بردلة وكردلة الفلسطينيتين، تم منع الفلسطينيين من الوصول إلى الأراضي الزراعية في غربه. أقيمت على هذا الشارع مزرعة "عميحاي” للمواشي ومزرعة "باردليا”، وينتهي الشارع ببوابة على مسار الجدار. ويشمل هذا التجمع أيضاً مزرعة "هار بيزك” ومزرعة "أوفريم” للغزلان قرب حاجز تياسير، وبين حاجز تياسير وحاجز عين شبلي يقيم الجيش جداراً عازلاً يفصل هذه المنطقة الموجودة في شمال "السامرة” عن غور الأردن. وقد قررت الحكومة مؤخراً إقامة مستوطنة أخرى في منطقة قرب طمّون. وفي غضون ذلك، صدر أمر عسكري لاقتحام الشارع المؤدي إلى المستوطنة المعزولة الموجودة قرب مسار الجدار.

وجاء من الجيش الإسرائيلي: "الجيش الإسرائيلي يعمل في الضفة الغربية وفقاً لتوجيهات القيادة السياسية ووفقاً للقانون. وقد تم وضع العناصر الأمنية للجدار، بما في ذلك البوابات وطرق المرور، لأسباب أمنية. ومن أجل بعض هذه العناصر، فقد كان مطلوباً أوامر لوضع اليد. وكما هو معروف، الكثير منها يخضع للمراجعة القضائية من قبل المحكمة العليا، وينطبق نفس الشيء على الطريق التي تم شقها في "هار بيزك” التي كانت تهدف إلى تلبية حاجة أمنية واضحة، لذلك رفضت المحكمة العليا الالتماس الذي قدم بشأن هذه الطريق.


* متان غولان