كتب د. عبدالله حسين العزام

لم تعد المواجهة بين إيران من جهة، والتحالف الأمريكي–الإسرائيلي من جهة أخرى، مجرد صراع محدود أو حرب ظل منخفضة الكثافة، بل تحولت إلى صدام استراتيجي مفتوح تتقاطع فيه العقيدة العسكرية مع الرسائل السياسية وحرب السرديات الإعلامية. أصبحت العمليات الميدانية جزءاً من منظومة متكاملة تشمل القوة الصلبة وإعادة هندسة البيئة الأمنية، إلى جانب استخدام المنابر الإعلامية كأدوات ضغط نفسي وسياسي، وهو ما يعكس الانتقال من إدارة التوتر إلى إدارة مواجهة شاملة، ومن الاحتواء غير المباشر إلى صراع محسوب على حافة الانفجار الإقليمي.

في العمق العملياتي، تكشف الضربات التي نسبت إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة واستهدفت قيادات عسكرية وأمنية إيرانية، وفي مقدمتهم رئيس الأركان الإيراني، عن استراتيجية "قطع الرأس” التي تهدف إلى إرباك منظومة القيادة والسيطرة في إيران. الهدف لم يكن مجرد إحداث فراغ إداري، بل زعزعة البنية الصلبة للقرار العسكري، ودفع طهران إلى حالة ارتباك استراتيجي. ومع ذلك، أثبتت الحسابات الواقعية أن إيران، باعتبارها تواجه تهديداً وجودياً، نجحت في تفعيل آليات الطوارئ واستبدال القيادات بسرعة، مما حول الضربات إلى عامل تعزيز للتماسك الداخلي بدلاً من التفكك.

على الصعيد الأمريكي والإسرائيلي، شكّل الملف النووي الغطاء السياسي الأولي للتصعيد، قبل أن تتوسع الأهداف لتشمل تفكيك المنظومة الصاروخية وشل البنية العسكرية وتقليص هامش الحركة الإقليمي لطهران. ورغم أن دولة الاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة راهنتا على استثمار الضربات لإضعاف النظام، فإن جهود تعبئة المعارضة الداخلية لم تُثمر. فالحرب الحالية اعتُبرت مواجهة وجودية من قبل إيران، مما عزز الوحدة الوطنية والتعبئة الداخلية، وقلّص قدرة أي حركة معارضة على استغلال الضربات لتحقيق أهداف التغيير المباشر.

تستمر دولة الاحتلال الإسرائيلي بالتعاون مع الولايات المتحدة في إدارة الحرب كنافذة استراتيجية لإعادة ضبط التوازن الإقليمي، عبر استنزاف القدرات الإيرانية واستهداف العصب القيادي. إلا أن القراءات الواقعية تشير إلى أن حكومة بنيامين نتنياهو في دولة الاحتلال الإسرائيلي تسعى أيضاً إلى دفع بعض دول الخليج والمنطقة إلى الانخراط في الصراع، لتخفيف الكلفة المباشرة على التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، ما يحوّل المواجهة إلى معادلة متعددة الأطراف، لكنه يرفع المخاطر الإقليمية ويضع هذه الدول أمام اختبار صعب لموازنة مصالحها الوطنية وأمنها الداخلي.

فيما تتعامل إيران مع هذه المواجهة باعتبارها حرب بقاء، مستمرة في استخدام أدوات الردع الصاروخي والمسيّرات كرسائل سياسية وميدانية متزامنة. الصراع أصبح إذن اختباراً لإرادات القوى: من يمتلك القدرة على الصمود، ومن يحوّل الضغط العسكري الأمريكي–الإسرائيلي إلى رافعة تعبئة داخلية تعزز شرعيته ومواقفه الاستراتيجية؟
في هذا السياق، يبرز تحول نوعي في طبيعة التفاوض ذاته. ومع توسع رقعة الحرب، تزداد احتمالات انسداد قنوات الاتصال الدبلوماسي التقليدية، سواء عبر الوسطاء الإقليميين أو القنوات الخلفية. ما يؤدي إلى أن تتحول القنوات الإعلامية، وبخاصة الفضائيات العابرة للحدود، إلى منصة تفاوض رئيسية لنقل الرسائل الاستراتيجية، وضبط خطوط التهدئة، واختبار ردود الفعل السياسية والجماهيرية قبل أي تفاهمات رسمية. هذا الأسلوب من "التفاوض العلني” يمثل تحوّلًا نوعياً في إدارة الصراعات الحديثة، حيث تتكامل الحرب الميدانية مع الحرب الإعلامية والضغط النفسي لصياغة موازين القوى وإعادة تعريف أولويات اللاعبين الإقليميين والدوليين.

ختاماً، تقف المنطقة أمام مرحلة حرجة، حيث امتداد المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران قد يفضي إلى تصعيد إقليمي واسع، يمس أمن الطاقة والممرات البحرية الحيوية ويضع نظم الدول الإقليمية تحت اختبار حقيقي لموازنة مصالحها الداخلية والخارجية.

كما أن استمرار الصراع بلا حلول ملموسة قد يعيد رسم خرائط النفوذ الإقليمي، ويضع تحالفات القوى الكبرى والإقليمية أمام سيناريوهات صعبة تتراوح بين توسع الصراع أو إنتاج تفاهمات مرحلية تُدار تحت ضغط النار. في كل الأحوال، فإن هذه الحرب تجاوزت إطار الردع التقليدي، وأصبحت اختباراً استراتيجياً حقيقياً لقدرة الإقليم على احتواء صراع قد يعيد تشكيل توازناته لسنوات قادمة.