كتب- اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني - مع استمرار الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والدولة الصهيونية على إيران صباح السبت 28/2/2026، تتزايد المؤشرات على أن هذا الصراع قد يتجه نحو التوقف أو التهدئة قبل تحقيق كامل الأهداف التي أعلنت في بدايته. فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الحروب لا تتوقف فقط عندما تتحقق أهدافها، بل أيضاً عندما تصبح كلفتها السياسية والعسكرية والاقتصادية أعلى من الفوائد المرجوة منها.

وفي ضوء تطورات الميدان وردود الفعل الدولية والمحلية الأمريكية، برزت مجموعة من العوامل التي قد تدفع ترامب بالتنسيق مع شريكه نتنياهو إلى إعادة النظر في استمرار هذه الحرب.

الخسائر البشرية وضغط الرأي العام الأمريكي

أحد أبرز هذه العوامل يتمثل في الخسائر البشرية التي بدأت تظهر في صفوف الجيش الأمريكي نتيجة الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد ومواقع عسكرية أمريكية في المنطقة. فقد سقط عدد من القتلى(المعترف بهم 7 لغاية الآن) وعشرات الجرحى، وهو تطور يعيد إلى الذاكرة تجارب أمريكية سابقة أثبتت أن الرأي العام في الولايات المتحدة شديد الحساسية تجاه الخسائر البشرية في الحروب الخارجية.

ويترافق ذلك مع تصاعد ضغط الرأي العام داخل الولايات المتحدة، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن نحو 60% من الأمريكيين يعارضون استمرار الحرب. مثل هذه النسبة تشكل عاملاً سياسياً ضاغطاً على الإدارة الأمريكية، خاصة في ظل الانقسام الداخلي المتزايد حول جدوى الانخراط في صراعات عسكرية جديدة في الشرق الأوسط.

ارتفاع أسعار النفط وكلفة الحرب الاقتصادية

العامل الاقتصادي بدوره يفرض حضوره بقوة في حسابات استمرار الحرب. فقد أدى التصعيد العسكري في منطقة الخليج إلى ارتفاع ملحوظ في أسعار النفط، وهو ما ينعكس مباشرة على الاقتصاد العالمي وعلى الاقتصاد الأمريكي نفسه، الذي شهد ارتفاعا ملحوظا في سعر البنزين بحوالي 15% مقارنة بالأسبوع الماضي.

فكل ارتفاع في أسعار الطاقة يزيد الضغوط على الاقتصادات الأمريكية والغربية ويؤثر في معدلات التضخم وتكاليف المعيشة، وهو ما قد يدفع صناع القرار إلى التفكير في تقليص مدة الحرب أو البحث عن مخرج سياسي لها.

هل تحقق الهدف العسكري جزئياً؟

من بين الأهداف المعلنة للحرب إضعاف القدرات النووية والصاروخية الإيرانية. وإذا كانت الضربات الأمريكية والإسرائيلية قد نجحت في إلحاق ضرر جزئي بهذه القدرات، فقد ترى واشنطن وتل أبيب أن هذا الإنجاز العسكري المحدود يمكن أن يشكل مبرراً سياسياً لإعلان نجاح العملية والانتقال إلى مرحلة التهدئة قبل أن تتحول الحرب إلى صراع طويل ومكلف.

انتقال المعركة إلى العمق الإسرائيلي

في المقابل، أظهرت الضربات الإيرانية قدرة على نقل المعركة إلى مستويات أكثر تعقيداً. فقد طالت الهجمات الإيرانية العمق الصهيوني، وهو تطور يفرض ضغوطاً كبيرة على الجبهة الداخلية لدولة الكيان التي لم تعتد على التعرض لضربات مكثفة بهذا الشكل.

كما أن الحديث عن خسائر عسكرية جسيمة لم يُكشف عن حجمها الكامل حتى الآن يزيد من القلق داخل الدوائر السياسية والعسكرية لدى أطراف الحرب.

توسّع ساحة الحرب إلى الخليج

اتساع نطاق الضربات الإيرانية ليشمل أهدافاً في دول الخليج يمثل تطوراً بالغ الحساسية. فدخول هذه الدول في دائرة الاستهداف العسكري يهدد استقرار أحد أهم مراكز الطاقة في العالم، كما يعرض طرق الملاحة الحيوية في المنطقة لمخاطر كبيرة.

مثل هذا التصعيد قد يدفع العديد من الدول إلى ممارسة ضغوط سياسية قوية لوقف الحرب قبل أن تتحول إلى مواجهة إقليمية واسعة.


استنزاف مخزونات الصواريخ الدفاعية

برز أيضاً عامل عسكري مهم يتمثل في الاستنزاف المتسارع لمخزونات الصواريخ الاعتراضية الأمريكية وصواريخ الدفاع الجوي لدى حلفائها.

فقد أشارت مصادر عسكرية أمريكية إلى أن الوتيرة المرتفعة للعمليات، وما رافقها من إطلاق مكثف للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، أدى إلى استهلاك كبير للذخائر الدفاعية. ومع صعوبة تعويض هذه المخزونات بسرعة، تتزايد المخاوف داخل الأوساط العسكرية من أن يؤدي إطالة أمد الحرب إلى التأثير في الجاهزية العسكرية الأمريكية في مناطق أخرى من العالم.

صعوبة تغيير النظام السياسي الإيراني

من بين الأهداف غير المعلنة للحرب إضعاف النظام السياسي الإيراني أو الدفع نحو تغيير قيادته. غير أن هذا الهدف يبدو أكثر تعقيداً مما كان متوقعاً.

فالتجارب التاريخية تشير إلى أن الضغوط العسكرية الخارجية غالباً ما تؤدي إلى نتيجة معاكسة، إذ تدفع المجتمعات إلى الالتفاف حول قياداتها في مواجهة التهديد الخارجي. ورغم ظروف الحرب تمكن مجلس خبراء القيادة من انتخاب مجتبى خامنئي ليحل رسميا مكان ابيه علي خامنئي كمرشد وقائد أعلى للدولة الإيرانية. كما أن طبيعة النظام السياسي في إيران، الذي يقوم على مؤسسات متعددة من بينها مجلس خبراء القيادة، تجعل مسألة تغيير القيادة عبر الضغط العسكري الخارجي أمراً بالغ الصعوبة.

الجغرافيا الإيرانية وتعقيد الحرب

عامل آخر بالغ الأهمية يتمثل في طبيعة إيران الجغرافية والاستراتيجية، التي تختلف جذرياً عن معظم دول الشرق الأوسط التي شهدت تدخلاً عسكرياً أمريكياً أو صهيونيا في العقود الماضية.

فإيران دولة مترامية الأطراف وكبيرة السكان، وتتمتع بموقع جغرافي شديد التعقيد. فهي تمتلك حدوداً مع عدد كبير من الدول، إذ تحدها من الشمال كل من تركمانستان وأذربيجان وأرمينيا إضافة إلى بحر قزوين، ومن الغرب العراق وتركيا، ومن الشرق أفغانستان وباكستان، ومن الجنوب الخليج العربي وخليج عُمان. ويبلغ طول حدودها البرية آلاف الكيلومترات، ما يجعلها إحدى أكثر دول المنطقة اتصالاً بجوارها الجغرافي.

هذا الامتداد الجغرافي الواسع يجعل إيران جزءاً من مجال حيوي إقليمي نشط ومؤثر بالنسبة لعدد كبير من الدول المحيطة بها. وحتى في ظل وجود خلافات سياسية بين إيران وبعض هذه الدول، فإن احتمال قيام بعض الأطراف الإقليمية أو الدولية بتقديم أشكال مختلفة من الدعم أو الإمداد الدفاعي يظل قائماً، وهو ما قد يزيد من تعقيد أي حرب طويلة ضدها.

خطر تدويل الحرب

عامل آخر يزيد من تعقيد الحسابات الاستراتيجية يتمثل في احتمال اتساع رقعة الصراع ودخول قوى دولية كبرى على خط الأزمة.

فكل من روسيا والصين تنظران إلى إيران باعتبارها شريكاً مهماً في التوازنات الدولية، كما أن أي اضطراب كبير في استقرار المنطقة قد يمس مصالحهما الاقتصادية والجيوسياسية. ولذلك فإن استمرار الحرب قد يدفع هاتين القوتين إلى لعب أدوار أكثر نشاطاً سياسياً أو استراتيجياً، وهو احتمال يثير قلقاً في واشنطن من تحول الصراع إلى مواجهة دولية أوسع.

فتور الحماسة الأوروبية للحرب

في المقابل، لا يبدو المعسكر الأوروبي متحمساً لاندلاع هذه الحرب أو لاستمرارها. فالدول الأوروبية تنظر بقلق إلى احتمال توسع الصراع في منطقة تمثل أحد أهم مصادر الطاقة للأسواق العالمية، كما تخشى من تداعيات اقتصادية وأمنية قد تمتد إلى أوروبا نفسها.

تصريحات ترامب وإشارات إلى قرب إنهاء الحرب

اللافت أن بعض التصريحات الصادرة عن القيادة الأمريكية نفسها بدأت تعكس مؤشرات على إمكانية اقتراب نهاية العمليات العسكرية. فقد صرّح ترامبيوم امس الاثنين في مقابلة مع شبكة CBS بأن الحرب في إيران "شارفت على الانتهاء"، مؤكداً أن إيران لم تعد تملك "قوة بحرية" ولا "اتصالات" ولا "قوة جوية".

وأضاف الرئيس الأمريكي في المقابلة الهاتفية أن الولايات المتحدة قطعت "شوطاً كبيراً" في تنفيذ البرنامج الزمني الذي كان قد حدده سابقاً للعملية العسكرية، والذي تراوح بين أربعة وخمسة أسابيع. مثل هذه التصريحات يمكن أن تُقرأ في سياق محاولة تهيئة الرأي العام لإعلان انتهاء العمليات بعد تحقيق ما يمكن تقديمه بوصفه إنجازاً عسكرياً، رغم انه لم يتطرق الى القضاء على البرنامج النووي الإيراني الذي كان من أهم الأسباب المعلنة لشن الحرب على إيران.

خاتمة: عندما تصبح كلفة الحرب أكبر من أهدافها

كل هذه العوامل مجتمعة — الخسائر البشرية، وضغط الرأي العام، وارتفاع أسعار النفط، واستنزاف المخزونات العسكرية، وصعوبة تحقيق الأهداف السياسية الكبرى، وتعقيد الجغرافيا الإيرانية، واتساع نطاق الضربات المتبادلة، وخطر تحول الصراع إلى حرب إقليمية أو دولية — قد تدفع صناع القرار في واشنطن وتل أبيب إلى إعادة حساباتهم الاستراتيجية.

وعند هذه النقطة قد يصبح وقف الحرب أو تجميدها قبل تحقيق كامل أهدافها المعلنة خياراً أكثر واقعية من الاستمرار في صراع مفتوح قد تتسع كلفته العسكرية والسياسية والاقتصادية بشكل يصعب السيطرة عليه.

ففي كثير من الأحيان لا تنتهي الحروب عندما تتحقق الأهداف المعلنة بالكامل، بل عندما تصل الأطراف المتحاربة إلى قناعة بأن كلفة الاستمرار أصبحت أكبر من أي مكسب محتمل.