خارج النص- كتب حلمي الأسمر -
لم يعد أخطر ما يواجه المنطقة هو القواعد العسكرية الأجنبية المنتشرة في صحاريها وبحارها، بل التحول الصامت الذي جعل أمن الولايات المتحدة وإسرائيل يُقدَّم في الخطاب الرسمي لبعض العواصم العربية بوصفه جزءًا من الأمن القومي العربي ذاته. وهنا لا نتحدث عن تحالف عابر، بل عن انقلاب كامل في تعريف الأمن والعدو والمصلحة.
ليست أخطر القواعد العسكرية الأمريكية تلك التي نراها على الخرائط وتتناقل صورها التقارير العسكرية بين الحين والآخر. فهذه – على خطورتها – تبقى منشآت مادية يمكن تحديدها جغرافيًا: مدارج للطائرات، مخازن للذخيرة، رادارات، وألوية عسكرية يمكن عدّها بالأقمار الصناعية. غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في هذه النقاط الظاهرة، بل في خرائط أخرى لا تُنشر ولا تُصوَّر ولا تُناقش في الإعلام. إنها الخرائط غير المرئية المزروعة في ذهنية النظام العربي الرسمي، حيث تقوم قواعد من نوع آخر: قواعد سياسية وعقائدية تُدار فيها السياسات وتُرتَّب فيها الأولويات، بحيث تتقدم المصالح الأمريكية على المصالح الوطنية.
في تلك الخريطة الخفية، لا تحتاج الولايات المتحدة إلى دبابات إضافية ولا إلى حاملات طائرات ترسو في الموانئ العربية. يكفي أن تكون البوصلة السياسية لبعض العواصم قد أُعيد ضبطها بحيث يصبح الدفاع عن المصالح الأمريكية جزءًا من تعريف "الاستقرار”، بل ومن تعريف "الأمن القومي” ذاته. عندها تتحول الدولة – من حيث لا تشعر – إلى قاعدة متقدمة للمصالح الأمريكية دون أن ترفع فوق أرضها علمًا عسكريًا واحدًا.
ولهذا تبدو هذه "القواعد الذهنية” أخطر بملايين المرات من القواعد العسكرية التقليدية. فالأخيرة يمكن إغلاقها بقرار سياسي أو انسحاب عسكري، أما الأولى فهي منظومة كاملة من التصورات والعقائد السياسية والاقتصادية والأمنية التي تُعيد تشكيل وعي الدولة وموقعها في العالم. إنه نوع جديد من السيطرة؛ سيطرة لا تحتل الأرض فقط، بل تحتل العقل السياسي نفسه.
لكن الأخطر أن هذه القواعد لم تعد أمريكية خالصة كما كانت في العقود الماضية. لقد نشأ اندماج شبه كامل بين عقيدة الأمن القومي الأمريكي وعقيدة الأمن القومي للكيان الصهيوني في فلسطين. لم يعد الأمر يتعلق بحماية مصالح واشنطن فقط، بل بحماية المشروع الصهيوني ذاته بوصفه امتدادًا استراتيجيًا للهيمنة الغربية في قلب الشرق الأوسط. وهكذا تبلورت مع مرور الوقت منظومة أمنية مشتركة تُدار فيها المنطقة وفق معادلة واحدة: ما يخدم أمن إسرائيل يخدم الاستقرار الإقليمي، وما يهدد إسرائيل يُصنَّف تهديدًا للأمن الدولي.
ولعل أوضح دليل على هذا التحول هو الطريقة التي جرى بها تبرير التخلي عن كل قوة واجهت الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة. فحين كانت غزة تقاوم قيل إن المقاومة تتحمل وزر ما جرى لأنها "تصرفت بتهور”. وحين دخلت إيران في الصراع قيل إن المشكلة ليست في الاحتلال بل في "المشروع الصفوي”. وحين تدخل حزب الله قيل إن ضرباته ستجلب الويلات وتسيء إلى السيادة اللبنانية. وحين تحرك اليمن قيل إنهم مجرد "حوثيين أصحاب مشروع مشبوه”. وقبل ذلك كله قيل عن العراق إن مأساة احتلاله ليست سوى نتيجة طبيعية لبعثية صدام ووحشيته.
بهذه الطريقة تحولت كل معركة ضد الهيمنة الإسرائيلية إلى قضية يُعاد تعريفها بحيث تبدو المشكلة دائمًا في الطرف الذي يقاوم، لا في الهيمنة نفسها. وهكذا لا يصبح السؤال: كيف نواجه مشروع السيطرة؟ بل يتحول إلى سؤال آخر تمامًا: كيف نجد مبررًا جديدًا للحياد؟
الحقيقة المرة أن المشكلة لم تكن يومًا في هذه الحجة أو تلك، بل في عقل سياسي اعتاد البحث عن الأعذار أكثر مما اعتاد دفع الثمن. عقل يتقن تفسير العجز لكنه لا يعرف كيف يصنع الفعل.
وفي الوقت الذي تغرق فيه المنطقة في هذا الجدل العقيم والتنظير العقيم، ينشغل كثيرون بتفاصيل الحياة اليومية أو الهروب إلى الترفيه والسخرية من واقعهم البائس، حتى تصبح الكرامة الجماعية فكرة مؤجلة، وربما حلمًا بعيد المنال.
غير أن الأمم التي تريد أن تُحترم لا تبني مكانتها على الأعذار، بل على المبادرة والإرادة والمشروع. فالأمم لا تُقاس بالكلام ولا بالشعارات، بل بالمواقف الصلبة، ووضوح البوصلة، وصدق الانتماء، والاستعداد للدفاع عن قضاياها مهما كان الثمن.
أما الأمة التي تعتاد تبرير حيادها وتؤجل مسؤوليتها، فلن تكون سوى أداة في مشاريع الآخرين، بلا قرار مستقل، ولا بوصلة واضحة، ولا كرامة تصونها. ولهذا يبقى السؤال الحقيقي مطروحًا أمام كل فرد وكل مجتمع: هل نريد أن نكون أصحاب قضية وموقف، أم مجرد متفرجين يبررون لأنفسهم العجز؟
تأمل واقعك جيدًا… ثم اختر لنفسك الموقع الذي يعبّر عنك.