في زمن لم تعد فيه الحقيقة غائبة، إنما مغيبة، ولم يعد فيه الزيف خجولا، إنما متصدرا، يخرج علينا مشهد سياسي يفرض علينا إعادة تعريف الأشياء بأسمائها الأولى، بلا تزويق ولا مداراة. هناك، حيث تقف القوة عارية من أي ادعاء أخلاقي، لا يعود السؤال: ماذا يحدث؟ بل يصبح: لماذا كنا نُصدّق غير ذلك؟
إن أخطر ما يصيب الوعي الإنساني ليس القهر والعنف ، بل الخداع وتبريره الناعم. فالعنف الصريح، مهما اشتد، يوقظ الحواس، أما العنف المغلف بلغة دبلوماسية باردة، فإنه يُخدر الضمير حتى يفقد قدرته على الرفض.
ولعل العالم اليوم أمام لحظة كاشفة، لحظة انزاحت فيها الأقنعة لا بفعل ثورة أخلاقية، بل بفعل جرأة فجة لم تعد تُبالي بستر ما كان يخفى. هنا تحديداً، تتجلى المفارقة الكبرى: أن الفجاجة، على قسوتها، قد تكون أصدق من النعومة الكاذبة؛ وأن الوقاحة، على بشاعتها، قد تكون أقل خداعاً من المجاملة القاتلة.
لقد اعتادت الشعوب طويلاً على لغة مزدوجة؛ تُقال فيها الكلمات لطمأنة السامعين، وتُصاغ فيها السياسات لخدمة موازين القوة وحدها. تُرفع شعارات العدالة، بينما تُدار المصالح في غرف مغلقة لا مكان فيها للقيم، ولا وزن فيها إلا للنفوذ. وهنا، يصبح السؤال الأخطر: هل كنا نجهل الحقيقة، أم كنا نفضل أن نُخدع بها؟
إن ما نشهده اليوم ليس تحولا في جوهر السياسات، إنما في أسلوب عرضها. لم يتغير الكثير في عمق المشهد، لكن الذي تغير هو الجرأة على إعلان ما كان يُدار في الخفاء. وهذا التحول، مهما بدا صادماً، يكشف عن حقيقة مرة: أن العالم لم يكن أقل قسوةً في الماضي، بل كان أكثر براعةً في إخفاء قسوته.
وليس من المبالغة القول إن هذا الانكشاف، على فظاظته، قد يحمل في طياته بذرة وعي جديد. فالصدمة، حين تبلغ مداها، تُسقط حالة التكيف مع الخطأ، وتُعيد تشكيل الحس النقدي لدى الشعوب. وحين تُقال الحقيقة بلا رتوش، يفقد الزيف أهم أدواته: القدرة على التمويه.
غير أن هذا الوعي لن يولد من فراغ، ولن ينمو ما لم تُواجه الشعوب نفسها بصدق قاس، فالمشكلة لم تكن يوماً في قوة الآخر وحدها، بل في قابلية بعضنا لتصديق الرواية الأجمل، لا الأصدق. وفي استعدادنا الدائم للانخداع بالخطاب اللطيف، حتى وإن كان يُخفي خلفه سياسات قاسية.
إن اللحظة الراهنة تفرض علينا إعادة ترتيب وعينا، لا إعادة صياغة شعاراتنا. تفرض علينا أن نرى العالم كما هو، لا كما نحب أن يكون. وأن ندرك أن العلاقات الدولية لا تُدار بالعواطف، بل بالمصالح؛ وأن القيم، حين لا تحرسها القوة، تتحول إلى خطب جميلة لا أكثر.
ولعل أكثر ما يُثير القلق، ليس ما يُقال اليوم بصراحة، بل ما كنا نقبله بالأمس بصمت. فالصراحة، مهما كانت جارحة، تضعنا أمام خيار واضح: إما أن نواجه، أو أن نستسلم. أما الخداع، فإنه يسلبنا حتى حق الاختيار.
إن هذا العالم لا يحتاج إلى مزيد من الأقنعة، إنما إلى قدر أكبر من الشجاعة في مواجهة الحقيقة. يحتاج إلى وعي لا يُخدَع بالعبارات الرنانة، ولا يُسحر بالبريق الإعلامي. يحتاج إلى شعوب تُدرك أن الكرامة تُنتزع، وأن الاحترام يُفرض.
وفي النهاية،
قد تكون الحقيقة قاسية،
وقد يكون وقعها ثقيلاً،
لكنها، وحدها، الطريق إلى وعي لا يُهزم، وإلى يقظة لا تنام.