في كل مرة يُفتح فيها ملف اقتصادي حسّاس، يتكرر المشهد ذاته: ضجيج إعلامي، استعراض سياسي، وانقسام حاد في الشارع.. بينما تغيب الحقيقة المهنية الهادئة التي تضع الأرقام في سياقها، وتُسمّي المسؤوليات بأسمائها.
اليوم يتم إشغال الرأي العام بتعديلات قانون الضمان الإجتماعي وسط حالة إرباك واضحة داخل مجلس النواب، أبرز ملامحها تضارب التصريحات، والتسابق على ركوب الموجة بدل قيادتها بوعي ومسؤولية.
وللتذكير فقط:
▪️صدر قانون الضمان الاجتماعي رقم (1) لسنة 2014 وتبعه عدد من التعديلات الجوهرية خلال أعوام 2019 و2022.
▪️بلغ عدد المشتركين في الضمان أكثر من 1.3 مليون مشترك، فيما يتجاوز عدد المتقاعدين 350 ألف متقاعد.
▪️تشير تقارير المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي (التقرير السنوي 2023) إلى أن موجودات الصندوق تجاوزت 15 مليار دينار أردني.
▪️في المقابل ترتفع نسبة البطالة (حسب دائرة الإحصاءات العامة / الربع الأخير 2024) إلى ما يقارب 21%، وهي من أهم محددات استدامة أي نظام تأميني.
السؤال الأهم هنا:
هل المشكلة في نصوص القانون أم في سوق العمل المختل الذي يغذّي الضمان بمشتركين غير مستقرين؟
ما الذي يغيب عن الخطاب الحكومي؟
▪️غياب تحليل اكتواري واضح ومُعلن يشرح أثر أي تعديل على الاستدامة المالية للصندوق لـ 30–50 سنة قادمة.
▪️ضعف الشفافية في عرض السيناريوهات البديلة مثل رفع الاشتراكات؟ تعديل سن التقاعد؟ توسيع الشمول؟.
▪️تجاهل العلاقة المباشرة بين سياسات التشغيل والاقتصاد غير المنظم واستدامة الضمان.
أما عن المسؤولية فهي لا تقع على طرف واحد:
▪️الحكومة مسؤولة عن تقديم مشروع واضح مدعوم بدراسات اكتوارية منشورة.
▪️مجلس النواب مسؤول عن نقاش مهني بعيد عن الشعبوية والاستعراض.
▪️الإعلام مسؤول عن نقل المعرفة لا تضخيم الجدل.
▪️الخبراء مسؤولون عن كسر الصمت وقيادة النقاش بالأرقام لا بالعواطف.
الحل ليس في التعديلات فقط بل في:
▪️إصلاح سوق العمل وزيادة التشغيل الحقيقي.
▪️توسيع قاعدة المشتركين خصوصًا في الاقتصاد غير المنظم.
▪️نشر الدراسات الاكتوارية بشفافية للرأي العام.
▪️بناء خطاب اقتصادي رقمي مبسّط يشرح التعقيد دون تسطيح.
ختامًا ما يجري اليوم ليس نقاشًا حول قانون، بل اختبار لمدى نضجنا في إدارة الملفات الوطنية الحسٌاسة، إما أن نبني وعيًا عامًا قائمًا على المعرفة أو نبقى أسرى الاستعراض اللحظي المنتهي على "فاشوش".