كتب - حلمي الأسمر

ما يجري داخل وزارة الدفاع الأميركية ليس خلافًا بيروقراطيًا، بل تصدّع في غرفة قيادة العالم، في لحظة يغلي فيها الشرق الأوسط من غزة إلى الخليج، حيث العلاقة مع إيران لم تعد "متوترة” بل مشتعلة فعليًا على شكل ضربات متبادلة، رسائل نارية، واحتكاك دائم يمكن أن ينفجر في أي ثانية. نحن لا نتحدث عن سيناريوهات… نحن داخل المشهد.

في هذا التوقيت بالذات، تظهر واشنطن وكأنها تقود حربًا وهي تتشاجر مع نفسها. التقارير الصادرة عن وول ستريت جورنال وواشنطن بوست وبوليتيكو لا تقول ذلك بهذه اللغة، لكنها تلمّح إليه بوضوح: صراع داخل البنتاغون، تضارب في الصلاحيات، تسريبات، إقالات، وقرار يتشكل تحت ضغط مراكز نفوذ متصارعة. النتيجة؟ قوة عسكرية هائلة… بعقل سياسي مرتبك.

وهنا تكمن الكارثة. لأن هذه القوة لا تتحرك في فراغ، بل فوق أخطر نقطة في العالم: مضيق هرمز، الشريان الذي يمر عبره جزء ضخم من نفط الأرض. أي شرارة هناك لا تعني فقط مواجهة عسكرية، بل زلزالًا اقتصاديًا عالميًا، قفزة في أسعار الطاقة، وانهيار توازنات تمتد من آسيا إلى أوروبا. السؤال لم يعد "هل سيحدث ذلك؟” بل: من سيخطئ أولًا؟

وفي الخلفية، المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو. القرار الأميركي ليس معزولًا عن صراعات الداخل، ولا عن شخصيات تتحرك بثقلها الخاص. اسم دونالد ترامب لا يمكن فصله عن هذه المعادلة، ليس فقط بسبب أسلوبه، بل بسبب ملفاته المفتوحة، وعلى رأسها علاقته بـ جيفري إبستين، ذلك الملف الذي لم يُدفن بالكامل، وبقي كظل ثقيل يطرح سؤالًا واحدًا: إلى أي مدى يمكن أن يُضغط على صاحب القرار؟ ومن يملك مفاتيح هذا الضغط؟

ثم يأتي العامل الأخطر: بنيامين نتنياهو، الذي لا يتعامل مع واشنطن كحليف فقط، بل كلاعب يعرف كيف يؤثر في مفاصل القرار. في لحظة الحرب على غزة، وفي ظل التصعيد مع إيران، يبدو وكأن المسارين يتقاطعان عند نقطة واحدة: رؤية إسرائيل للأمن الإقليمي. وهنا يصبح السؤال أكثر حدة: هل تُدار هذه الحروب وفق مصلحة أميركية خالصة… أم ضمن شبكة تأثيرات تتجاوزها؟

عندما تضع كل هذا معًا، تظهر الحقيقة العارية: العالم لا يقف على حافة حرب كبرى فقط، بل على حافة سوء إدارة حرب. وهذه أخطر بكثير. لأن الحروب المدروسة يمكن احتواؤها… أما الحروب الناتجة عن ارتباك وصراع داخلي، فهي التي تنفلت وتتمدد وتخرج عن السيطرة.

نحن أمام معادلة مرعبة:
تصعيد مشتعل مع إيران،
مضيق هرمز على حافة الاشتعال،
غزة تنزف،
وواشنطن… تتصارع مع نفسها.

وهنا لا يعود السؤال: من سينتصر؟
بل: كم سيدفع العالم ثمن هذا الارتباك؟

الحقيقة التي لا يريد أحد قولها بصوت عالٍ هي هذه:
لم يعد الخطر في قوة الولايات المتحدة…
بل في اللحظة التي تصبح فيها هذه القوة بلا عقل موحّد.

وعندها، لا تكون الحرب الكبرى خيارًا…
بل نتيجة حتمية.