كتب - زياد فرحان المجالي
منذ عام 2017، حين كان رقمي في المركز الوطني للسكري 15401، لم أكن أدخل مجرد مؤسسة صحية، بل كنت أتابع تجربة تتشكل أمامي عامًا بعد عام. تجربة لا تُقاس بعدد المرضى فقط، بل بقدرتها على أن تتحسن باستمرار، وأن تتعلم من نفسها، وأن تحترم الإنسان قبل أن تعالجه.
اليوم، وبعد أن تجاوز عدد المراجعين مئات الآلاف، لم يعد الحديث عن المركز حديثًا عن عيادة أو مبنى، بل عن نموذج وطني في كيفية إدارة الصحة حين تقترن الرؤية بالإرادة.
ما يميز هذه التجربة، برؤية الدكتور كامل العجلوني وفريقه، أنها لم تتعامل مع التطوير كشعار، بل كفعل يومي. كل خلل كان يُقابل بحل، وكل ضغط كان يُترجم إلى تحسين. المختبر لم يبقَ كما كان، الصيدلية تطورت، المساحات اتسعت، وآليات التنظيم أصبحت أكثر دقة ووضوحًا. حتى المواقف، وهي تفصيل يراه البعض ثانويًا، جرى التعامل معها بعقلية تحترم المريض: تنظيم، بساطة، وكلفة مدروسة، لأن من يأتي إلى هنا لا يبحث عن رفاهية، بل عن علاج وطمأنينة.
الأهم من ذلك، أن المركز لم يتعامل مع وقت المريض كوقت فائض. في قاعات الانتظار، لم تعد الدقائق عبئًا، بل أصبحت مساحة معرفة. شاشات تقدم ثقافة صحية، ومعلومة طبية، ورسالة غير مباشرة تقول: أنت هنا لست رقمًا في الدور، بل إنسان يستحق أن يُخاطب عقله كما يُعالج جسده.
أما الكوادر الطبية والإدارية، فهي العمود الحقيقي لهذه التجربة. هناك نظام واضح، إشراف حقيقي، متابعة لا تُترك للصدفة. من لحظة دخولك، إلى القياسات، إلى الطبيب، إلى صرف الدواء، تشعر أنك داخل منظومة تعمل بعقل واحد. وهذا تحديدًا ما يصنع الفرق بين خدمة تؤدى، وخدمة تُحترم.
لا أكتب هذا مديحًا، بل شهادة تجربة. رأيت المركز وهو يتحسن، لا لأنه مضطر، بل لأنه اختار أن يتطور. والفارق كبير بين مؤسسة تبرر أخطاءها، وأخرى تعتبر كل خلل فرصة لإعادة البناء بشكل أفضل.
وللإنصاف، فإن وزارة الصحة الأردنية تتحمل عبئًا وطنيًا هائلًا، في خدمة ملايين المواطنين والمقيمين، تحت ضغط يومي معقد. لكن ما يقدمه المركز الوطني للسكري يثبت أن التطوير ليس ترفًا، بل خيار إداري يمكن تحقيقه حين تتوفر الرؤية والمتابعة والاحترام.
لهذا، فإن هذه التجربة لا تستحق الإشادة فقط، بل تستحق أن تُدرس وتُعمم. لأنها ببساطة تعيد تعريف العلاج: ليس دواءً يُصرف، بل كرامة تُصان، ونظامًا يُحترم، وإنسانًا يشعر أنه في المكان الصحيح.
التحية للدكتور كامل العجلوني، ولكل طبيب وممرض وصيدلي وموظف في هذا الصرح. لأنهم لم ينجحوا فقط في تقديم خدمة صحية، بل نجحوا في تقديم معنى مختلف للصحة… معنى يبدأ من الإنسان، وينتهي إليه.