في ظل الاستهداف الإسرائيلي الممنهج للمنظومة الأمنية والشرطية في قطاع غزة، ومساعي الاحتلال لتعميق حالة الفوضى والفراغ الإداري، تبرز إلى الواجهة طروحات ومبادرات لتشكيل "قوة شعبية" تأخذ على عاتقها مسؤولية ضبط السلم المجتمعي.

ويرى مراقبون أن هذه الدعوات تعكس حاجة ملحّة لسدّ الفراغ الأمني ومنع الانزلاق نحو مزيد من الفوضى، في واقع بالغ التعقيد.

عقد اجتماعي مصغّر

قال الكاتب والمحلل السياسي محمد مصطفى شاهين إن الطرح المتعلق بتشكيل قوة شعبية في غزة يتجاوز كونه مبادرة أمنية ظرفية، ليشكّل محاولة أعمق لإعادة تعريف مفهوم السيادة السياسية انطلاقاً من القاعدة الاجتماعية، في لحظة تاريخية تتعرض فيها مقومات الدولة للتفكك تحت وطأة الاستهداف الإسرائيلي الممنهج.

وأوضح شاهين، في حديث لـ"قدس برس" اليوم السبت، أن هذه القوة لا تنشأ في فراغ، بل في سياق انهيار منظومة الاحتكار المشروع للعنف، بعد استهدافها بشكل مباشر، بما أدى إلى تفريغ المشهد من أي بنية تنظيمية قادرة على ضبط الأمن. وفي هذا الإطار، تمثل القوة الشعبية إعادة إنتاج لفكرة التنظيم من الأسفل، لا كجهاز بيروقراطي، بل كتعبير عن إرادة جماعية في البقاء ورفض الانزلاق إلى الفوضى.

وأضاف شاهين أن هذه المبادرة يمكن النظر إليها كعقد اجتماعي مصغّر، يتشكل في لحظة خطر وجودي، ليؤكد قدرة المجتمع على إنتاج أدوات دفاعه الذاتي، بعيداً عن الإملاءات التي يحاول الاحتلال فرضها كشرط لأي ترتيبات مستقبلية.

ولفت إلى أن التحدي الحقيقي لا يقتصر على ضبط الأمن، بل يمتد إلى تفكيك الفوضى التي تحولت من نتيجة للحرب إلى أداة تُدار ضمن استراتيجية تهدف إلى إضعاف المجتمع.

وأشار إلى أن استهداف عناصر الشرطة الفلسطينية يندرج ضمن هذه الاستراتيجية، بوصفه محاولة لضرب فكرة القانون ذاتها، ومنع تشكّل أي سلطة قادرة على حماية المجتمع. وبالتالي، فإن أي محاولة لإعادة بناء هذه السلطة بصيغة شعبية ستصطدم بمحاولات الاحتلال إفشالها ومنع نجاحها.

وعلى الصعيد الداخلي، شدد شاهين على ضرورة تنظيم العلاقة بين هذه القوة الشعبية ومكونات المشهد السياسي والعسكري، مؤكداً أن نجاحها يتطلب توافقاً وطنياً عالياً، وقدرة على إدارة التعددية ضمن إطار موحد يخدم المصلحة العامة.

وفي ما يتعلق بالتحديات الميدانية، أوضح أن هذه القوة ستعمل في بيئة معادية ومكشوفة، ما يفرض عليها اعتماد أساليب مرنة وغير تقليدية في العمل، تقوم على بناء شبكات حماية مجتمعية، بحيث يتحول الأمن إلى مسؤولية جماعية، لا إلى وظيفة مؤسسية تقليدية.

كما حذّر من أن الاحتلال سيعمل على تجريم هذه المبادرة ووصمها بالإرهاب، في إطار سعيه لتبرير استهدافه المستمر، مشيراً إلى أن أي نجاح لهذه القوة سيشكل تحدياً للرواية الإسرائيلية التي تسعى إلى تكريس صورة غزة كبيئة فوضوية.

وخلص شاهين إلى أن فكرة القوة الشعبية تمثل رهاناً استراتيجياً على قدرة المجتمع على تحويل البقاء إلى فعل مقاومة، وإعادة إنتاج النظام من داخل الفوضى، مؤكداً أن نجاح هذا النموذج قد يسهم في إعادة صياغة معادلة الصراع، عبر إثبات قدرة الشعب على الصمود والتنظيم في آن واحد.

مسؤولية جماعية

من جانبه، قال الباحث علي أبو رزق إن الحاجة إلى تشكيل قوة شعبية في غزة باتت ملحّة، في ظل استهداف عناصر الشرطة ومحاولات إفراغ الساحة لصالح مجموعات خارجة عن القانون.

وأكد، في منشور عبر حسابه على منصة "إكس"، أن مسؤولية حفظ الأمن لم تعد مقتصرة على جهة بعينها، بل أصبحت مسؤولية جماعية تشارك فيها العشائر والعائلات والفصائل والتجمعات، خاصة مع استمرار العراقيل التي يفرضها الاحتلال أمام إدارة القطاع.

وأضاف أن هذا الواقع الاستثنائي يتطلب إجراءات استثنائية، بما في ذلك فرض عقوبات رادعة بحق مثيري الفوضى والأعمال الإجرامية، محذراً من أن غزة تواجه تحديات كبرى، ولا تحتمل مزيداً من الضغوط، في ظل تداخل أعباء الاحتلال مع محاولات العبث الداخلي.