بين تكريم الأسماء… وطمس الذاكرة المحلية
في أقل من عام، شهد لواء المزار الشمالي تغيير أسماء مدرستين حكوميتين، في خطوة تبدو للوهلة الأولى نوعًا من التكريم المستحق لشخصيات تربوية خدمت الوطن. فقد استُبدل اسم مدرسة المزار الأساسية للبنين باسم الدكتور تيسير الجراح، وهو اسم نحترمه ونقدّر مسيرته الطويلة في وزارة التربية والتعليم، التي تنقّل فيها بين مواقع متعددة حتى تولى إدارة تربية قصبة إربد. كما جرى تغيير اسم مدرسة دير يوسف الأساسية ليحمل اسم الدكتور خالد العمري، الأكاديمي ووزير التربية والتعليم الأسبق.
لا اعتراض هنا على مبدأ التكريم بحد ذاته؛ فمن الطبيعي أن تُخلّد أسماء من قدموا خدمات جليلة للوطن. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: ما هي المعايير التي تحكم هذه القرارات؟ وهل كل من تولى موقعًا عامًا يُخلّد اسمه بإطلاقه على مؤسسة تعليمية أو شارع أو مرفق عام؟ أم أن الأمر يخضع لاجتهادات قد تغفل أبعادًا أخرى لا تقل أهمية؟
المشكلة لا تكمن في الأسماء الجديدة، بل في إلغاء الأسماء القديمة التي ارتبطت بالمكان والناس لعقود طويلة. أسماء المدارس ليست مجرد لافتات، بل هي جزء من الذاكرة الجمعية والهوية المحلية. عندما تُسمّى مدرسة باسم البلدة أو الحي، فإنها تعكس انتماءً جماعيًا وشعورًا بالمشاركة. استبدال هذا الاسم باسم فرد—مهما كانت مكانته—قد يُشعر المجتمع بأن جزءًا من هويته قد تم تجاوزه.
ثم إن الأولويات تطرح نفسها بوضوح. فالعاملون في وزارة التربية والتعليم، من أعلى الهرم إلى أدناه، يدركون حجم التحديات التي تواجه القطاع، وعلى رأسها الاكتظاظ الشديد في الصفوف الدراسية في مختلف مناطق المملكة. الحاجة اليوم ليست فقط إلى إعادة تسمية المدارس، بل إلى بناء مئات المدارس الجديدة لتخفيف هذا الضغط وتحسين البيئة التعليمية.
من هنا، يمكن طرح بديل أكثر فاعلية وجدوى: لماذا لا يُربط التكريم بمبادرات تنموية حقيقية؟ كأن تبادر الوزارة، بالتعاون مع عائلات الشخصيات المُراد تكريمها وأبناء مناطقهم، إلى إنشاء مدارس جديدة تحمل أسماءهم. بهذه الطريقة، يتحقق هدفان في آن واحد: تخليد ذكرى من خدموا الوطن، والمساهمة في حل أزمة الاكتظاظ.
أما تغيير أسماء مدارس قائمة منذ عشرات السنين، فمن غير المرجح أن يحقق الأثر المرجو. فغالبًا ما يستمر الناس في استخدام الأسماء القديمة بحكم العادة والانتماء، ما يجعل القرار شكليًا أكثر منه فعّالًا.
تكريم الشخصيات الوطنية قيمة نبيلة، لكن الأجدى أن يتم ذلك بأسلوب يعزز التنمية ويحترم ذاكرة المكان، بدل أن يستبدلها.