تغير قواعد اللعبة وبداية النهاية
د. حسن البراري
جو 24 :
قد تشكل سلسلة الهزائم العسكرية التي منيت بها قوات بشار الأسد والتقدم العسكري للمعارضة السورية المسلحة في ساحات مختلفة في سوريا وسقوط مدينتي جسر الشغور وإدلب في أيدي قوات المعارضة نقطة تحوّل في الصراع الدائر على سوريا وفي سوريا. وعلى نحو لافت يبدو أن عام 2015 ليس عام الأسد، فقواته سبق لها وأن خسرت معقل بصرى الشام الإقليمي في الخامس والعشرين من مارس الماضي وكذلك معبر نصيب الحدودي في الثاني من أبريل.
والحقّ إن هذه الأخبار هي أيضا غير سارة بالنسبة لطهران، وكأن انتكاسة الحوثيين في اليمن لا تكفي، فالتطورات الأخيرة في سوريا والتصدع الأمني الجاري يجعل إيران ووكلاءها في المنطقة يخشون من تطورات مستقبلية تجعل من كابوس عاصفة حزم أخرى في سوريا سيناريو قائما. ويرى مراقبون (من بينهم كاتب هذه السطور) أن سيناريو عاصفة حزم في سوريا سيخلق ديناميكية مختلفة وسيضع مستقبل بشار الأسد في مهب الريح وبخاصة بعد أن تولد انطباع جديد بأن قوات بشار لن تصمد. فلم يعد من الممكن حتى بالنسبة للنظام السوري أن يتنكر لما يجري على أرض الميدان، وما زيارة وزير الدفاع السوري إلى طهران بعد أن ترنحت القوات التابعة للأسد في ساحات الوغى إلا دليل إضافي على أن "منعة" النظام السوري التي حاول أن يسوقها في السنوات الأخيرة ما هي إلا وهم، وزاد من الطين بلة الأداء العسكري السيئ للقوات الإيرانية في تكريت ما دفع الكثيرين إلى الاستنتاج بأن إيران غدت نمرا من ورق لن تتمكن عند لحظة الحسم من إنقاذ بشار من السقوط.
وحتى يبدو الأمر مفهوما ينبغي علينا أن نتفحص السبب الرئيسي وراء هذه الانتكاسة لقوات النظام السوري، فسقوط مدينتي إدلب وجسر الشغور لم يأت جزافا وإنما نتيجة لجهد تنسيقي قام به الداعمون الإقليميون للثورة السورية وهنا نتحدث عن قطر والسعودية وتركيا، وربما التغير التكتيكي في موقف الرياض هو ما سمح لمثل هذا التنسيق، فتولي الملك سلمان الحكم في السعودية وتولي مجموعة من جيل الاحفاد زمام الحكم في الرياض سهّل من التحول في موقف السعودية بحيث اصبحت الأولوية هي الحاق هزيمة بإيران، واستبطنت القيادة السعودية أن نتيجة كهذه تستلزم اشراك الدوحة وأنقرة ما يعني تخفيف حدة العداء للإخوان المسلمين. فهذه العواصم الثلاث ترى بأنه من الأفضل أن تعمل معا لتغيير التوازن العسكري في سوريا لغير صالح الأسد قبل أن تتوصل إيران إلى اتفاق نهائي مع القوى الدولية الست، واكتسب هذا الاتجاه زخما وإن كان غير معلن بعد هذه السلسلة من الهزائم العسكرية التي دفعت إلى السطح مرة أخرى مسألة قدرة النظام السوري على البقاء والصمود. بمعنى آخر، هناك من الاستراتيجيين السعوديين والقطرين والأتراك من يرى أن هناك حاجة ملحة لاستثمار تقهقر قوات بشار حتى النهاية. فانتصارات نظام الأسد السابقة وتأثير إيران لم تستند إلى قوة مادية على الأرض وانما بسبب انقسامات المسكر المعادي للأسد والخلافات بين الداعمين الإقليميين للثورة السورية.
وعلى مستوى آخر، لم يكن ربيعا جيدا بالنسبة لأنصار بشار الأسد، فبوادر التصدع في الدائرة الضيقة للنظام وفي قاعدة دعم النظام بدت واضحة ما يعني أن بشار الأسد لن يكون بوسعه الاستمرار إن استمرت متوالية الانشقاقات التي بدأت تدب الرعب في أوصال من كان يرى بأن بقاء الأسد ضرورة. فلا يمكن النظر إلى إقالة كل من رستم غزالة ورفيق شحادة والشجار الذي حدث بينهما والذي مهد لموت رستم غزالة وقبل ذلك عزل حافظ مخلوف ابن خال الأسد من منصبه في الأمن العالم وكأنها أحداث معزولة، وهناك أخبار تفيد بأن رستم غزالة احتج على العنصر الإيراني الذي بدوره حمّل قوات الأسد مسؤولية التراجع على جبهات القتال المختلفة. وتبادل الاتهامات بين الإيرانيين وبعض السوريين في الحلقة الضيقة للنظام ربما يفسر جزئيا لماذا تم التخلص من رستم غزالة.
ولا يتوقف الأمر عند الدائرة الضيقة للنظام، فهناك تقارير محايدة تتحدث عن حقيقة أن تصدعا في قاعدة دعم النظام بدأ يظهر في الآونة الأخيرة وبخاصة وأن الأسد مستمر في عملية تجنيد العلويين الذين باتوا يرون أن الصراع أصبح أشبه بحرب الاستنزاف لا قبل لهم بها. فالعلويون يريدون إنهاء الأزمة بدلا من أن يتحولوا وقودا لها. لذلك بدأ الكثير منهم بإخراج ابنائهم خارج سوريا حتى لا تطالهم سياسة التجنيد. والحق أن الأسد سيفقد القدرة على خلق الأمل لدى انصاره بأن الانتصار العسكري أمر ممكن في ضوء انتكاسة قواته وفشل إيران في حماية انصارها في اليمن واستفاقة الدول السنية من وهم الاتكاء على الغرب والولايات المتحدة للتصدي لاستراتيجية إيران القائمة على زعزعة استقرار الإقليم لخلق فرص لها لتعظيم مكاسبها وزيادة نفوذها.
والراهن أن دولا هامة في الإقليم باتت تضيق ذرعا من فشل قيادة أوباما في المنطقة، لهذا قررت هذه الدول أخذ زمام المبادرة وهناك تقارير غربية تتحدث عن تنسيق سعودي تركي بواسطة قطرية تهدف إلى خلق الزخم العسكري المناسب للتخلص من نظام الأسد الذي بات بقاؤه يشكل رمزا لقوة إيران أو لضعفهم على تغيير الواقع وفقا لمصالحهم في سوريا مختلفة. لهذا السبب باتت فكرة عاصفة حزم جديدة في سوريا تقلق مضاجع نظام بشار وحزب الله وكذلك قادة طهران الذين يسابقون الريح للتوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة تمنحهم قوة في التعامل مع ملفات الإقليم الأخرى. ويبدو أن دولا من قوات التحالف العربي باتت تفكر جديا باستثمار نجاحاتها في اليمن لتطبيق سيناريو مشابه في سوريا على أن تدخل تركيا على الخط بقوات برية وبغطاء جوي يوفره سلاح الجو السعودي. صحيح أن هذا السيناريو لا يخلو من التعقيدات والتحديات لكن يبدو أن السعودية على وجه التحديد توصلت إلى نتيجة بأنها تمتلك القوة والجرأة بأن تتصرف بشكل مستقل عن الغرب ومن خلال التحالف والتنسيق مع دول أخرى تشارك السعودية في وجهات النظر.
بطبيعة الحال، لن يكن الأمر بهذه البساطة رغم ضعف قوات الأسد مقارنة بما لدى السعودية وتركيا من ترسانة اسلحة متطورة وسلاح جوي قوي، لكن خيارا كهذا من شأنه أن يثبت حتى لنظام بشار بأنه ليس فقط ضعيفا وغير قادر على الحسم لكن يثبت لهذا النظام بأنه حلفائه غير قادرين على حمايته في المستقبل المنظور، ومن شأن استهداف الأسد وقواته بشكل ممنهج ومكلف أن يدفع الأسد إلى طاولة مفاوضات حل سلمي يخرجه من معادلة السلطة مرة وللأبد. طبعا، من المبكر التنبؤ بمسار الأحداث في قادم الأيام لكن يبدو جليا أن هناك ما يشير إلى أننا نشهد لحظة بداية النهاية لنظام بشار الأسد الذي فقد زمام المبادرة وبدأ يتصدع. فالانتصارات الأخيرة لقوى المعارضة في سوريا جاءت نتيجة لتغير في استراتيجية ممولين وداعمين الثوار. بكلمة، الأيام القادمة حبلى بالأحداث في منطقة لا يحكم رتم علاقاتها الدولية منطق واضح أو استراتيجيات متماسكة، فهل بالفعل تغيرت قواعد اللعبة، دعونا ننتظر!
والحقّ إن هذه الأخبار هي أيضا غير سارة بالنسبة لطهران، وكأن انتكاسة الحوثيين في اليمن لا تكفي، فالتطورات الأخيرة في سوريا والتصدع الأمني الجاري يجعل إيران ووكلاءها في المنطقة يخشون من تطورات مستقبلية تجعل من كابوس عاصفة حزم أخرى في سوريا سيناريو قائما. ويرى مراقبون (من بينهم كاتب هذه السطور) أن سيناريو عاصفة حزم في سوريا سيخلق ديناميكية مختلفة وسيضع مستقبل بشار الأسد في مهب الريح وبخاصة بعد أن تولد انطباع جديد بأن قوات بشار لن تصمد. فلم يعد من الممكن حتى بالنسبة للنظام السوري أن يتنكر لما يجري على أرض الميدان، وما زيارة وزير الدفاع السوري إلى طهران بعد أن ترنحت القوات التابعة للأسد في ساحات الوغى إلا دليل إضافي على أن "منعة" النظام السوري التي حاول أن يسوقها في السنوات الأخيرة ما هي إلا وهم، وزاد من الطين بلة الأداء العسكري السيئ للقوات الإيرانية في تكريت ما دفع الكثيرين إلى الاستنتاج بأن إيران غدت نمرا من ورق لن تتمكن عند لحظة الحسم من إنقاذ بشار من السقوط.
وحتى يبدو الأمر مفهوما ينبغي علينا أن نتفحص السبب الرئيسي وراء هذه الانتكاسة لقوات النظام السوري، فسقوط مدينتي إدلب وجسر الشغور لم يأت جزافا وإنما نتيجة لجهد تنسيقي قام به الداعمون الإقليميون للثورة السورية وهنا نتحدث عن قطر والسعودية وتركيا، وربما التغير التكتيكي في موقف الرياض هو ما سمح لمثل هذا التنسيق، فتولي الملك سلمان الحكم في السعودية وتولي مجموعة من جيل الاحفاد زمام الحكم في الرياض سهّل من التحول في موقف السعودية بحيث اصبحت الأولوية هي الحاق هزيمة بإيران، واستبطنت القيادة السعودية أن نتيجة كهذه تستلزم اشراك الدوحة وأنقرة ما يعني تخفيف حدة العداء للإخوان المسلمين. فهذه العواصم الثلاث ترى بأنه من الأفضل أن تعمل معا لتغيير التوازن العسكري في سوريا لغير صالح الأسد قبل أن تتوصل إيران إلى اتفاق نهائي مع القوى الدولية الست، واكتسب هذا الاتجاه زخما وإن كان غير معلن بعد هذه السلسلة من الهزائم العسكرية التي دفعت إلى السطح مرة أخرى مسألة قدرة النظام السوري على البقاء والصمود. بمعنى آخر، هناك من الاستراتيجيين السعوديين والقطرين والأتراك من يرى أن هناك حاجة ملحة لاستثمار تقهقر قوات بشار حتى النهاية. فانتصارات نظام الأسد السابقة وتأثير إيران لم تستند إلى قوة مادية على الأرض وانما بسبب انقسامات المسكر المعادي للأسد والخلافات بين الداعمين الإقليميين للثورة السورية.
وعلى مستوى آخر، لم يكن ربيعا جيدا بالنسبة لأنصار بشار الأسد، فبوادر التصدع في الدائرة الضيقة للنظام وفي قاعدة دعم النظام بدت واضحة ما يعني أن بشار الأسد لن يكون بوسعه الاستمرار إن استمرت متوالية الانشقاقات التي بدأت تدب الرعب في أوصال من كان يرى بأن بقاء الأسد ضرورة. فلا يمكن النظر إلى إقالة كل من رستم غزالة ورفيق شحادة والشجار الذي حدث بينهما والذي مهد لموت رستم غزالة وقبل ذلك عزل حافظ مخلوف ابن خال الأسد من منصبه في الأمن العالم وكأنها أحداث معزولة، وهناك أخبار تفيد بأن رستم غزالة احتج على العنصر الإيراني الذي بدوره حمّل قوات الأسد مسؤولية التراجع على جبهات القتال المختلفة. وتبادل الاتهامات بين الإيرانيين وبعض السوريين في الحلقة الضيقة للنظام ربما يفسر جزئيا لماذا تم التخلص من رستم غزالة.
ولا يتوقف الأمر عند الدائرة الضيقة للنظام، فهناك تقارير محايدة تتحدث عن حقيقة أن تصدعا في قاعدة دعم النظام بدأ يظهر في الآونة الأخيرة وبخاصة وأن الأسد مستمر في عملية تجنيد العلويين الذين باتوا يرون أن الصراع أصبح أشبه بحرب الاستنزاف لا قبل لهم بها. فالعلويون يريدون إنهاء الأزمة بدلا من أن يتحولوا وقودا لها. لذلك بدأ الكثير منهم بإخراج ابنائهم خارج سوريا حتى لا تطالهم سياسة التجنيد. والحق أن الأسد سيفقد القدرة على خلق الأمل لدى انصاره بأن الانتصار العسكري أمر ممكن في ضوء انتكاسة قواته وفشل إيران في حماية انصارها في اليمن واستفاقة الدول السنية من وهم الاتكاء على الغرب والولايات المتحدة للتصدي لاستراتيجية إيران القائمة على زعزعة استقرار الإقليم لخلق فرص لها لتعظيم مكاسبها وزيادة نفوذها.
والراهن أن دولا هامة في الإقليم باتت تضيق ذرعا من فشل قيادة أوباما في المنطقة، لهذا قررت هذه الدول أخذ زمام المبادرة وهناك تقارير غربية تتحدث عن تنسيق سعودي تركي بواسطة قطرية تهدف إلى خلق الزخم العسكري المناسب للتخلص من نظام الأسد الذي بات بقاؤه يشكل رمزا لقوة إيران أو لضعفهم على تغيير الواقع وفقا لمصالحهم في سوريا مختلفة. لهذا السبب باتت فكرة عاصفة حزم جديدة في سوريا تقلق مضاجع نظام بشار وحزب الله وكذلك قادة طهران الذين يسابقون الريح للتوصل إلى صفقة مع الولايات المتحدة تمنحهم قوة في التعامل مع ملفات الإقليم الأخرى. ويبدو أن دولا من قوات التحالف العربي باتت تفكر جديا باستثمار نجاحاتها في اليمن لتطبيق سيناريو مشابه في سوريا على أن تدخل تركيا على الخط بقوات برية وبغطاء جوي يوفره سلاح الجو السعودي. صحيح أن هذا السيناريو لا يخلو من التعقيدات والتحديات لكن يبدو أن السعودية على وجه التحديد توصلت إلى نتيجة بأنها تمتلك القوة والجرأة بأن تتصرف بشكل مستقل عن الغرب ومن خلال التحالف والتنسيق مع دول أخرى تشارك السعودية في وجهات النظر.
بطبيعة الحال، لن يكن الأمر بهذه البساطة رغم ضعف قوات الأسد مقارنة بما لدى السعودية وتركيا من ترسانة اسلحة متطورة وسلاح جوي قوي، لكن خيارا كهذا من شأنه أن يثبت حتى لنظام بشار بأنه ليس فقط ضعيفا وغير قادر على الحسم لكن يثبت لهذا النظام بأنه حلفائه غير قادرين على حمايته في المستقبل المنظور، ومن شأن استهداف الأسد وقواته بشكل ممنهج ومكلف أن يدفع الأسد إلى طاولة مفاوضات حل سلمي يخرجه من معادلة السلطة مرة وللأبد. طبعا، من المبكر التنبؤ بمسار الأحداث في قادم الأيام لكن يبدو جليا أن هناك ما يشير إلى أننا نشهد لحظة بداية النهاية لنظام بشار الأسد الذي فقد زمام المبادرة وبدأ يتصدع. فالانتصارات الأخيرة لقوى المعارضة في سوريا جاءت نتيجة لتغير في استراتيجية ممولين وداعمين الثوار. بكلمة، الأيام القادمة حبلى بالأحداث في منطقة لا يحكم رتم علاقاتها الدولية منطق واضح أو استراتيجيات متماسكة، فهل بالفعل تغيرت قواعد اللعبة، دعونا ننتظر!








