jo24_banner
jo24_banner

في مواجهة "انسداد الأفق": الخيارات الممكنة

محمد أبو رمان
جو 24 :

من الواضح تماماً أنّ "مطبخ القرار" مصرّ على المضي قدماً في إجراء الانتخابات القادمة، وفقاً للقانون الحالي، وتظهر أرقام التسجيل (قرابة مليون ومائتي ألف) إلى اليوم أنّ الهيئة المستقلة اقتربت من الرقم المستهدف، ما بين مليون وثمانمائة ألف ومليونين، مع أنّ "معضلة" المدن الكبرى، عمان والزرقاء، لم تُحلّ بعد، بالرغم من وصفة "زيادة القائمة الوطنية" والجهود الكبيرة المبذولة في هذا المجال.

لم تنفرج العلاقة بين الدولة والمعارضة، بشقيها: الإخوان والحراك، ولم تفلح الوساطات والجهود لإقناع الإسلاميين بتغيير مطالبهم الإصلاحية، أو القبول بقانون الانتخاب الحالي، بالرغم من "الرسالة الملكية" الأخيرة (في مقابلة وكالة الأنباء الفرنسية)، التي حملت خطاباً أوضح كثيراً في التأكيد على قضيتين محوريتين:

- الحكومة بعد الانتخابات ستكون نيابية، فوق هذا يؤكّد مسؤول كبير مطّلع أنّ ثمة رسائل في الطريق ستؤكّد أنّ أسلوب اختيار رئيس الوزراء القادم سيختلف تماماً عن "الآليات التقليدية"، وأنّ الملك سيشاور الكتل البرلمانية بصورة جدّيّة، وهي صيغة موازية، ضمنياً، لما تطلبه القوى السياسية من تعديلات دستورية تحدّد عملية اختيار رئيس الوزراء بالمشاورات البرلمانية.

- قانون الانتخاب الحالي، المرفوض من قوى المعارضة، ليس نهاية المطاف، ويمكن للمجلس الجديد أن يفتحه، وكان الخطاب الملكي أكّد سابقاً أنّ الإصلاحات والتعديلات الدستورية التي جرت بمثابة وجبة أولى، ضمن خطة متدرجة لتعديلات أخرى جديدة في السنوات القادمة.

لكن السؤال المطروح هنا، هو: الشارع مع "من"؟

المعارضة، بألوانها الفاعلة- الجماعة والحراك الجديد- ما تزال تشكّك في نوايا الإصلاح، وتتمسّك بسقف مطالبها، وتجد أنّ قانون الانتخاب الحالي لا يترجم عملياً تغييراً في المسار الحالي في إدارة شؤون البلاد، وتسوق العديد من المؤشرات الأخرى على صحة ذلك؛ سواء في الاعتقالات الأخيرة التي تمّت أو وجبة التعيينات العليا الأخيرة، أو حتى إغلاق ملفات الفساد في البرلمان بصورة كاريكاتورية!

إذن، وصلنا، في ظني، إلى مفترق طرق وحسمت الخيارات بصورة شبه نهائية، وعلى الأغلب نحن مقبلون على انتخابات نيابية قادمة بمن حضر، وفق هذا القانون، وهو ما يعيدنا إلى السؤال الجوهري: هل الأفضل لدفع مسار الإصلاح السياسي المقاطعة أم المشاركة، وهي – بالضرورة- قضية تجد قراءات متعددة متباينة حتى داخل أوساط المعارضة السياسية نفسها، بعد أن أعلنت الجبهة الوطنية للإصلاح والإخوان والوحدة الشعبية قرار المقاطعة، فيما أعلنت مجموعة من الأحزاب السياسية المشاركة، وذهبت بهذا الاتجاه من دون الإفصاح عن ذلك بصورة واضحة!

في ضوء هذا الانقسام، يبدو رهان الأطراف المختلفة على الشارع اليوم، بعد أن فشل التيار الإصلاحي في وقف قانون الانتخاب الحالي، بالرغم من كل الجهود التي بذلت، وانتصرت الرؤية المحافظة على الجميع، واختطف أنصارها المشهد السياسي.

ملامح القراءة الموضوعية للشارع تشير بوضوح إلى غياب الحالة الدافعة الحقيقية عن الشارع، إذ ما يزال الحراك محدوداً اجتماعياً وسياسياً، ومقتصراً على الإسلاميين، ومجموعات نشطة في الطفيلة وأعداد أقل بكثير في المحافظات، في المقابل يزداد الحراك اختلافاً وتبايناً وتشظيّاً، تحديداً مع اليساريين والقوميين واليمينيين.

الشارع، عموماً، ما يزال مرتبكاً في خياراته، فإذا كان هنالك مزاج اجتماعي نقدي متشائم حاد، كما تظهره استطلاعات الرأي الأخيرة، وحالة من التوافق على ضرورة إجراء إصلاحات جوهرية على إدارة المعادلة السياسية، تمسّ تعيين رئيس الوزراء والشفافية ومكافحة الفساد وشروط العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية..الخ، إلاّ أنّ الشارع يعاني من عدم القدرة على بلورة خطابه الإصلاحي والتوحّد خلفه.

النصف الأول من المجتمع يعيش حالة من الركود والقلق من المشاركة في أي ضغوط حقيقية، وتشكّل قضية الحفاظ على المواطنة وتعزيزها في الممارسة اليومية أولويته الرئيسة، لكنه في المجمل العام لا يشعر بأفق حقيقي ونوعي لتغيير هذا الواقع، ما يفسّر استنكافه عن الحراك والمشاركة في التسجيل للانتخابات على السواء، ويقع عموماً تحت وقع "السياسات الرمادية" تجاهه من مؤسسات الدولة.

أمّا النصف الآخر، فهو مرتبك ما بين احتقانه من الوضع الراهن، الذي لا يشعر معه بالاطمئنان على المرحلة القادمة، ولا بالقدرة على التكيف مع ظروفه الاقتصادية، وفي الوقت نفسه تنتابه "حالة قلق" من مآلات التغيير وعدم وضوح الصورة لاحقاً، ويبدو الهمّ الاقتصادي هو الأكثر إلحاحاً عليه، وإن كانت الخلاصة الواضحة بضرورة تغيير قواعد إدارة الحياة السياسية، لكن بدون أن يخسر امتيازاته السياسية بعد أن تضعضعت كثيراً أوضاعه الاقتصادية.

وفي غياب قوة الدفع الشعبي السياسية، يبدو أنّ رهان المعارضة سيتمركز حول الوضع الاقتصادي وسوء إدارته، وعدم كفاية الإصلاحات السياسية على تفريغ منسوب الاحتقان المرتفع فيه، وهو رهان ينظر له النظام بجديّة، ويبدو أنّه العامل الرئيس الذي وقف وراء "تجميد" قرار رفع أسعار المحروقات، بالرغم من أزمة السيولة الخانقة وارتباط الدفعات القادمة من صندوق النقد بذلك.

ويؤكّد أهمية الأزمة الاقتصادية، أنّها في استطلاعات الرأي تتصدر أولويات المواطنين وهمومهم، وتبدو المفارقة أنّه، بالرغم من كل ما قيل عن قانون الانتخاب وما سببه من تصعيد متبادل بين "مطبخ القرار" والمعارضة، فإنّ نسبة 20 % فقط من المستطلعين سمعت به أو تعرف مضامينه وأهميته، وهي قضية متوقعة وطبيعية، تحرّك الشارع في العالم المتقدّم قبل المتأخر، لكنها في الوقت نفسه تكشف – محلياً- عن ضعف كل من الدولة والمعارضة على السواء في التواصل مع الشريحة الاجتماعية الواسعة في الشارع!

وسوف تكون المساعدات الخارجية عاملاً مهماً في المرحلة القادمة؛ إمّا في التخفيف من حدّة الأزمة السياسية أو منح الحكومة القدرة على المناورة في الوقت من أجل ترحيلها إلى ما بعد الانتخابات النيابية، وإمّا في تأزيم المشهد السياسي في حال لم تكن الفرصة مواتية للخروج من الأزمة السياسية في وقت تضغط فيه الأزمة الاقتصادية بصورة أكبر على المواطنين، تحديداً في المحافظات، إذ ترتفع نسبة البطالة ولا يشكّل القطاع الخاص فيها إلى اليوم قاطرة حقيقية للتخفيف من حدّة الظروف الاقتصادية الخانقة.

المشكلة تقع هنا في ترسيم رهانات وخيارات كل من الدولة والمعارضة الإسلامية، فكلاهما يبدو على الشجرة، ذلك أنّ مصلحتهما معاً في المشاركة، لا في المقاطعة، أمّا الرهان على الأزمة الاقتصادية فهو مقلق، إذ إنّها ليست محسوبة النتائج، كما هي الحسابات السياسية الدقيقة، واللاعبون فيها، يتحرّكون وفق ردّات فعل يصعب التنبؤ بها!

إذ إنّنا لا نتحدث عن أزمة حكومات بل دولة، فالوضع الاقتصادي يصيب عاجلاً أم آجلاً الجميع، والانهيار في العلاقة بين الدولة والمجتمع ندفع جميعاً ثمنها، سواء في استشراء العنف المجتمعي والاجتماعي، أو في التدهور الحاصل في المركز الأخلاقي للدولة لدى الجميع، وتراجع مفهوم دولة القانون والمؤسسات والمواطنة، والضعف الكبير في القدرات الاتصالية بين هذه المؤسسات والمجتمع.
مع التذكير بأن الاقتصاد الأردني احتاج إلى عقد من الزمن ليتعافى من أزمته الاقتصادية العام 1989، وفق خبراء البنك الدولي.

وفق هذه القراءة، وفي ضوء تصلّب موقف كل من الدولة والمعارضة الإسلامية ومعها شطر من الحراك، وشخصيات سياسية مهمة، فإنّنا أمام سيناريوهين اثنين؛
السيناريو الأول؛ أن تشهد المرحلة القادمة مزيداً من التصعيد والقطيعة، كما حدث في الأيام الماضية، سواء في ردود الفعل على رفع الأسعار وارتفاع السقوف، ثم الاعتقالات، وما جرى أمام بيت عبد الرؤوف الروابدة، وهو سيناريو مقلق في ظل حالة غياب الإجماعات الوطنية الشعبية والانقسام داخل الشارع نفسه وعدم القدرة إلى اليوم على تجاوز الهواجس المتبادلة.

أما السيناريو الثاني؛ فهو قبول كل طرف بخيارات الطرف الآخر، والاتجاه نحو السير بخطين متوازيين لا متقاطعين، وذلك يتطلب حواراً معمّقاً، وقنوات اتصال، ما يمنح كل طرف القدرة على قراءة الطرف الآخر بصورة أفضل، وهنا من الضرورة بمكان ألا تكون الرسائل مقتصرة على الإسلاميين، بل على الحراك في المحافظات، بعيداً عن لغة الاعتقالات التي شهدناها مؤخراً، بحق ناشطين في الطفيلة والكرك.

المشكلة، كما ذكرنا، لا تقتصر على الحكومات، بل تطاول الدولة والمجتمع، ومخاطرها تنال الجميع، لذلك، فإنّ البقاء في الشارع، والرهان على الأزمة الاقتصادية من ناحية المعارضة، ومضي"مطبخ القرار" على إجراء الانتخابات، كما يتبدّى في الموقف الراهن، لا يجوز أن يكون نهاية المطاف، فربما تكون فرص الحوار القادمة بحد ذاتها كفيلة بإيجاد حلول مقبولة من التيارات الفاعلة، وذلك يقتضي جملة من الشروط والمحددات في التعامل مع المرحلة القادمة:
أولاً؛ اختيار رئيس الحكومة الجديد بأن يكون مقبولاً شعبياً، ولديه "رؤية انفتاحية" على المعارضة والحراك، فهذا وإن لم يكن عاملاً وحيداً في تخفيف حدة الأزمة السياسية، إلاّ أنّه مهم، والعكس صحيح، فشخصية مثل فايز الطراونة ساهم كثيراً في رفع حدة الأزمات السياسية، ولعب دوراً حيوياً في قطع الطريق على وجود حلول وسطى مع القوى المعارضة، وارتكب من الأخطاء الفادحة ما دفعت الدولة بأسرها ثمناً له في علاقتها بالمجتمع والشارع على السواء.

ثانياً؛ تدشين قنوات الحوار مع القوى السياسية المختلفة، ليس فقط الإخوان بل الحراك والشخصيات السياسية المعارضة المقاطعة، وتقوية قنوات الاتصال والتواصل لدى الدولة في التعامل مع المرحلة الدقيقة، فذلك وإن لم يؤدِّ – بالضرورة- لاحقاً إلى الخروج من عنق الزجاجة، فإنّه سيخفف على الأقل من حدّة الرسائل المتبادلة غير المدروسة بعناية، فالمقاطعة لا تعني القطيعة، وعدم التوافق على المشاركة في الانتخاب لا يجوز أن ينتهي بالضرورة إلى صدامات ومواجهات، أو على أضعف الإيمان تصعيد متبادل.

ثالثاً؛ نزع فتيل الاحتقان، وإطلاق المعتقلين، والخروج من عصر المحاكم العسكرية، الذي يفترض أنه انتهى مع التعديلات الدستورية، فإذا كان شخص ما تجاوز في لغته وشعاراته أو بياناته الحدود القانونية، فالأصل أن يكون القانون هو الحكم والقضاء المدني هو الفيصل.

رابعاً؛ إذا كانت المعارضة الإسلامية غائبة، مع القانون الحالي، فإنّ الالتزام بنزاهة الانتخابات يفترض أن يغيّر من المقاربة الرسمية السابقة، التي عملت دوماً على إيصال "الموالين" أو من لا يمتلكون خبرة سياسية، فوجود معارضة فاعلة حقيقية، إن لم تكن إسلامية في البرلمان يخدم الدولة نفسها، لأنّه أولاً ينقل الاهتمام من الشارع إلى المؤسسات التمثيلية، وثانياً يساعد على اتخاذ قرارات اقتصادية غير مرغوبة شعبياً، ضمن حزمة متوافق عليها بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.

خامساً؛ تقديم رسائل واضحة فيما يتعلق بمكافحة الفساد في المرحلة القادمة، والعمل على إيجاد حلول جدية عملية للأزمة الاقتصادية في المحافظات، وجعل هذه القضية أولوية في "تفكير مطبخ القرار" لارتباطها بصورة عضوية بأسس العقد الاجتماعي، ونمط العلاقة بين الدولة وهذه الشريحة الواسعة.

هذه بالضرورة "وصفة" لا تمثّل ما نطمح إليه، لكنها – على الأقل- ممكنة ضمن المعطيات الموضوعية الحالية، طالما أنّ التيار الإصلاحي لم يستطع أن يقنع "مطبخ القرار" بضرورة تغيير قانون الانتخاب، فلا يترك رسم المعادلة السياسية للتيار المحافظ ورؤيته المستهلكة، كما حدث مؤخراً، ولا يترك رهاناتنا المستقبلية مبنية على استفحال الأزمة الاقتصادية.

في ظل تراجع أهمية المتغيرات الإقليمية، وتحديداً الرهان المتبادل على المشهد السوري، فإنّ الوضع الداخلي سيكون رئيساً في رسم الرهانات والخيارات، وذلك يستدعي أن نفكّر كثيراً فيما يخدم الجميع، وفي إمكانية الحلول الوسطى، والحوار العقلاني، وعلى أقل تقدير تجنب سيناريوهات مقلقة لنا جميعاً.


(الغد)

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير