jo24_banner
jo24_banner

عرب جنيف

ماهر أبو طير
جو 24 : اكثر المدن شهرة واستفادة من الصراعات العربية والاسلامية، هي جنيف، فكل الخلافات التي تعصف بالعالم العربي، تتم تسويتها في جنيف. ربما اكتسبت جنيف، هذه السمة، لكونها اشتهرت بالحياد السياسي، لكن في كل الحالات لا يجد العرب مكانا لتسوية اي خلافات عربية- عربية او عربية- دولية، سوى جنيف. فيها عدة منافع ، سياحة وسياسة، سفر ومطر، واستمطار للحلول عبر اوروبا، هذا فوق الارصدة العربية الكبيرة في خزائن المدينة السرية. لماذا لم ينجح العرب والمسلمون، في تكريس مدينة عربية او اسلامية واحدة، باعتبارها قادرة دوما على ان تكون محطة للفرقاء من اتجاهات مختلفة؟!. هذا يعبر من جهة اخرى، عن حجم الكراهية والشكوك، بين مكونات المنطقة، وعدم رغبة اي طرف بمنح اي مدينة عربية او اسلامية، هذه المكانة، حتى لا يستفيد ضمنيا، النظام السياسي في تلك المدينة من تقديم ذاته باعتباره جامعا مشتركا بين الجميع. في كل الازمات السورية واليمنية وغيرها من ازمات يهرع العرب الى جنيف، وبتنا امام جنيف ومضاعفاتها، جنيف 1 ، جنيف 2، جنيف 3، ولا احد يعرف الى اين سوف يصل الرقم المرتبط باسم المدينة السويسرية. اللافت للانتباه ان جنيف باتت محطة لنوع جديد من السياحة العربية، سياحة الصراعات بين العرب، والوفود التي تسافر الى جنيف، لا تقبل ان تنزل في ذات الفندق، وكأنها تعبر عن النتيجة مسبقا، اذ غالبا ما ينزل الوفد المعارض، مثلا، في فندق غير الفندق الذي ينزل فيه الوفد الرسمي، او الوفد الاخر، وكثيرا ما سمعنا قصصا عن نزلاء الفنادق يندى لها الجبين، اذ بعد المفاوضات، لابد من رفاهية وفساد وقليل من الاثم، لا يضر عنوان التفاوض، بنظر المتفاوضين، بل يخفف حدتهم وفقا لرأيهم. جنيف ربما اكبر محطة امنية للاجهزة الاستخباراتية العالمية، التي باتت تستوطن في المدينة لرصد محادثات الوفود، وما يجري في غرفهم، وعبر اتصالاتهم، والمشكلة ان العرب لا يثقون ببعضهم البعض، فالوفد السوري الرسمي مثلا يشك في الوفد المعارض، لكن كليهما لا يشك في العين الثالثة، التي تترصد الطرفين، ولربما الاجراءات الامنية الاحترازية التي تتخذها الوفود القادمة تشتد في وجه الاطراف الاخرى التي يفاوضونها، لا في وجه الغرف التي ينامون فيها ، وتحتضن همساتهم واسرارهم. مادامت اغلب خلافات العرب يتم تصديرها الى جنيف وليس الى اي عاصمة عربية، فأن هذه الخلافات مؤهلة لمزيد من التفاقم، لان جنيف ليس عنوانا للسفر وحسب، بل عنوان على عدم ثقة العرب بكل محيطهم، وبحثهم عن حل في مكان بعيد وبارد.

(الدستور)
تابعو الأردن 24 على google news