jo24_banner
jo24_banner

النزول عن الشجرة

د. حسن البراري
جو 24 :
ما زال الغموض يكتنف حقيقة الموقف الأمريكي، ولا نعرف بعد أن كان وزير الخارجية الأمريكي ريكس تيلرسون يحظى بتأييد كامل من البيت الأبيض في نهجه الذي يبدو متوازنا ازاء طرفي الأزمة في الخليج، فعلى العكس من تغريدات الرئيس دونالد ترامب التي فُسرت بأنها اصطفاف واضح مع خندق السعودية الذي يُضيّق الخناق على قطر فإن ريكس تيلرسون يصف مواقف قطر بالعقلانية والايجابية، والحق أن تيلرسون يريد ان يلعب دور الوسيط النزيه! وعلى الرغم من أن هناك انتقادات أمريكية تجاه سلوك قطر وبخاصة في مسألة تمويل التنظيمات المتطرفة إلا أن مطالب التحالف المناهض لقطر هي مطالب يكاد تنفيذها كما هو منصوص عليه يجرد قطر من سيادتها، وهو أمر لعبت على وتره الدوحة لتبرير رفضها الدخول في حظيرة الطاعة السعودية.

طبعا، سيسارع المعسكر المناهض لقطر بالقول أن قطر تنازلت عن جزء من سيادتها بتوقيعها على مشروع تنفيذي للرقابة المالية مع الولايات المتحدة، وهو مشروع يستلزم اشراف الولايات المتحدة على البنك المركزي القطري للتوقف عند كل حوالة مالية من والى قطر، لكن هذا الأمر ينسجم مع توصيات قمة الرياض لتجفيف منابع تمويل الارهاب، وهو أمر ينسحب أيضا على السعودية التي ينالها جزء كبير من الاتهامات بتمويل التنظيمات المتطرفة في الغرب كما كشف عنه تقرير في غاية الأهمية على طاولة رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي. وليس واضحا أن كانت الولايات المتحدة ستطلب من الدول الاخرى توقيع نفس المذكرة وهو أمر لن تستجيب له دول بحجم السعودية ومصر بأي شكل من الاشكال، وهو أمر تعرفه قطر جيدا وهذا يفسر دعوة وزير الخارجية القطري الدول المقاطِعة لتوقيع نفس المذكرة لعله يحرجها ويدق اسفيناً في العلاقة بينها وبين واشنطن.

وعودة على بدء نقول أن قدرة تيلرسون على تحقيق اختراق حقيقي يعتمد بالدرجة الأولى على التوافق المؤسسي في الولايات المتحدة بشأن شكل الحل، ويقول أرون ديفيد ميلر من معهد ويلسون والذي كان مستشارا سابقا لستة وزراء خارجية باميركا بأن نجاح تيلرسون في مهمته يعتمد على فهم طرفي الأزمة بأن دونالد ترامب يقف بحزم خلف وزير خارجيته، وهذا الكلام صحيح فيما يتعلق على الاقل بالمعسكر السعودي الذي لن يتراجع ولن يبحث عن سلم لينزل عن الشجرة العالية التي صعد اليها إذا اعتقد بأن الرئيس ترامب يقف بجانبها أو إن التزم بالحياد.

وعلى نحو لافت اقدمت الدوحة على خطوتين لهما تأثير على مسار الازمة، فقامت بتسريع التوقيع على صفقة طائرات مع البنتاغون مما خفف من الضغط على قطر ثم أنها قدمت تنازل الرقابة المالية ليس للطرف الآخر من الأزمة بل للولايات المتحدة، وهذا الانزياح النسبي في المواقف ربما يجعل قطر أكثر قدرة على الصمود أمام المقاطعة لأشهر قادمة، وهذا بدوره يطرح سؤالا يتعلق بقاعدة عامة في التفاوض وهي متى تنضج الظروف لحل الأزمة، ففي أدبيات فض النزاعات ترسخت قاعدة تفيد بأن طرفي الازمة سيكونون أكثر ميلا للحل عندما يصبح استمرار الأزمة ضارا ومؤذيا لطرفي الازمة، ولا نعرف بالضبط متى يصل طرفا الأزمة إلى هذه المرحلة. فهذه الدول ثرية ويمكن لقطر على سبيل المثال تسييل بعض من استثماراتها في الخارج إن قررت الصمود حتى النهاية. والحق أن استمرت الأزمة فإن قطر ستنفق أكثر على التسلح وربما تطور علاقاتها مع تركيا ما يفضي إلى تدخل أعمق من قبل تركيا في منطقة الخليج وهو أمر سيرفع من حدة الأزمة التي قد تتصاعد بشكل يخرج عن نطاق السيطرة الخليجية.

على أن الطرف المناهض لقطر ليس بدون أوراق، فهو أقدر على تحمل استمرار الأزمة ويعرف جيدا أن العالم لن يختار قطر على حسابها لأنها صاحبة الثقل العسكري والاستراتيجي والاقتصادي والديمغرافي، كما أن غزل الرئيس ترامب لمعسكر السعودية في واقع الأمر يقلل من الاوراق التي يمكن أن يستخدمها ريكس تيلرسون في التفاوض مع السعودية وحلفائها. لذلك تبقى مسألة نجاح تيلرسون في نزع فتيل الأزمة ليست مضمونة إلا إذا تمكن من اجتراح معادلة تعالج الاسباب الحقيقية للأزمة وليست الاسباب أو الذرائع المعلنة، فالسعودية لا تتسامح مع أي تحدٍ لها في الخليج، وهي ترى بأن السياسة الخارجية التدخلية لقطر في المنطقة تأتي على حسابها وهي لا تقبل بذلك، كما أن قطر ترى الإقليم بشكل مختلف عن السعودية وهي تستخدم ثرائها أو لنقل قوتها الناعمة لدعم حلفائها الذين يعادون السعودية ومصر والامارات.

بتقديري أن أقصى ما يمكن تحقيقة في المرحلة الحالية هو التوصل إلى تسويات مرحلية تبعد قطر عن الاخوان المسلمين، وتغير من الخط التحريري لقناة الجزيرة وهي ربما تنازلات كافية لمنع تصعيد الأزمة وربما لتراجع حدتها نوعا ما لكنها ليست كافية لسلام خليجي حقيقي.
 
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير