jo24_banner
jo24_banner

وداعا يا سامي الزبيدي

د. حسن البراري
جو 24 : كنا معا في الولايات المتحدة نعيش في بيت واحد ونقتسم رغيف الخبز، وكان سامي شديد التعلق بابنتيه شام وكنده يحدثهم ويتحدث عنهم كل يوم، وما زال المنظر ماثلا أمامي عندما كان في أحد الايام يكلم ابنتيه هاتفيا، وما أن أنهى المكالمة حتى توارى عن ناظري، كنت أعرف حاجته إلى فسحة شوق٬ ليذرف دمعة حارة ولعا بشام وكنده٬ وربما أيضا لمخزون دفين من القهر والعذاب والشعور بالحرمان، كنت أعرف كل ذلك دون أن أحدثه! يومها تظاهرت بأنني لم الحظ شيئا٬ وذهبت إلى المطبخ لبرهة لأترك له فرصة ليمسح دموعه.

كنا نسهر سويا كل ليلة نتحدث عن رواية كلاسيكية ما أو كتاب أثر في حياة كل واحد منا، وأذكر أنني في وقتها كنت أكتب كتابا باللغة الانجليزية، وأصر على قراءة المسودات الأولى حتى يقوي لغته الانجليزية، بعدها أعجب بالكتاب وكتب عني في صحيفة الرأي مقالا بعنوان: “الاستسرائيل والبراري وغرامشي." وفيه كتب"استعدت التعرف على هذا المفكر عبر كتاب الدكتور البراري ''الاستسرائيل'' ، أي أن تكون إسرائيل موضوع دراسة، فقد قرأت كتاب البراري قبل أن يذهب للطباعة وقد أتاحت لي فرصة قضاء خمسة أشهر في منزل الكاتب في الولايات المتحدة أن أناقش المؤلف بالكتاب مما شكل عندي صورة كاملة عن الكتاب ساعدني ذلك انني اتخذت من قراءة الكاتب والكتاب مادة للسيطرة على مهارات اللغة وهذا كان الانطباع الأولي لكنني وجدتني أخوض غمار تجربتين في آن : تعلم مهارات لغة أخرى وكذلك تعلم النظر إلى مفكر ماركسي بحجم غرامشي بعين غير ماركسية وهذه هي المرة الأولى بالنسبة لي.” وبالفعل ما زلت أعتز بذلك المقال لأنه كتب مقاله بعين الناقد المحب. كان سامي كاتبا مثقفا ومطلعا على الفلسفة والأدب والسياسة. وبالتالي كنت استمتع في الحوار معه لأنه ذكي ولماح وقادر على الحوار لساعات طويلة بتركيز٬ فسامي من الكتاب القلائل الذي وإن تختلف معه فيما يكتب إلا أنك تستمتع بلغته السلسة وقدرته على بناء الموقف. .
كان سامي مليئا بالحيوية، فما إن ينهي محاضراته بالجامعة حتى يأتي إلى مكتبي قائلا "وبعدين، يالله خلينا نطلع لمكان آخر.” وفي أحد الأيام الباردة وعندما كانت الثلوج تتساقط بكثافة، جاءني يريد أن نذهب إلى مكان ما، فاعتذرت لانشغالي مع طلابي وقتها. غادر مكتبي وبعدها بساعة اتصل بي قائلا "رفيق، اين انت؟ انكسرت رجلي،" هرعت مسرعا إلى مكانه وكان جالسا حزينا، شارد الذهن يتألم . لم يكن قادرا على المشي فحملته الى سيارتي ومنها للعلاج. كانت المرة الأولى التى أرى فيها هذا الهرم الصلب منكسرا لبرهة ، ومع ذلك سرعان ما نسي الامر وانصرفنا معا نمضي ما تبقى من نهارنا وكأن شيئآ لم يكن.

كان سامي يعتقد أن شيئا كثيرا فاته في هذه الدنيا، فكان مستعجلا في كل شيء، ودفعه ذلك لأن يكون متشجنا في كثير من الأحيان، وربما كان هذا هو الخلل التراجيدي بشخصيته وهو خلل كتب عنه شكسبير في ماكبث وفي الملك لير. ومع ذلك لم يكن احدنا يحمل عليه ولو لساعة لاننا كنا نعرف معدنه الطيب وعفويته وروحه المتمردة وبالفعل صدمنا بالرحيل بهذه الطريقة،


عاد سامي إلى عمان وبقيت أنا في أميركا، ثم عدت إلى الأردن وكان الصديق الأول الذي اتصلت به. غير أننا اختلفنا مرة وطال خلافنا وانشغلنا بأمور لم تسمح بالمصالحة ومن ثم رحل، وقد عزّ علي أن يفارق الدنيا بلمح البصر دون ان نتمكن من الوداع. هكذا خطفه الموت، وكان قبل أن يرحل يترحم على الأوضاع العامة ويحس بالغبن الذي أصاب وطنه، ويبدو أنه لم يعد يثق بأحد ولا بمؤسسة٬ وبالتالي رحل وأخذ معه فلذة كبده خالد الصغير وشام وكنده وزوجته زهرة.

وداعا يا سامي وإلى جنان الخلد يا أبا خالد.
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير