jo24_banner
jo24_banner

ومن مأمنه يؤتى الحذر.. حلفاء الأردن يتخلون عنه

د. حسن البراري
جو 24 :
ارتبطت السياسة الخارجية الأردنية منذ الاستقلال لهذا اليوم بأمرين ، هما:
أولا، ايجاد نظام اقليمي يسمح للأردن بالبقاء..
وثانيا،الحصول على الريع الاستراتيجي لتغطية العجز بالموازنة (أي مساعدات اقتصادية ومالية وعسكرية لقاء الدور الاقليمي للأردن).

والحق أن الملك حسين رحمه راعى هذه الثوابت بمزيج من التوازن والاعتدال من جهة ، واخذ المخاطرات المحسوبة (calculated risks) في المفاصل الصعبة ، والتي ترفع حتما من رصيد الأردن الإقليمي والدولي، من جهة ثانية .

وبعيدا عن التقلبات في التحالفات الاقليمية التي كانت وما زالت سمة من سمات عدم الاستقرار والغموض في الاقليم بشكل عام ، فقد استند الأردن إلى بعض المسلمات التي ربما كانت صحيحة لدرجة كبيرة. فمثلا، كان التحالف مع الولايات المتحدة والسعودية هو حجر الزاوية في تشكيل مواقف الأردن، وكان التحالف مع عراق صدام حسين أيضا خطوة أردنية محسوبة مكنت الأردن من خلق التوازنات الضرورية التي كانت تخدم الأردن داخليا وخارجيا.

وفي السياق نفسه وظف الأردن موقعه الجيوبوليتكي لكي يكون رافعة استقرار دفعت إسرائيل على أخذ الأردن على محمل الجد، وبالتالي عدم التحرش به عسكريا إلا في مناسبات متفرقة ولها اعتباراتها المعروفة.

بتقديري أن هذه المسلمات شابها التغيير، فتراجع دعم السعودية للاردن الى حدوده الدنيا في معالجة العجز بالموازنة في وقت تضيق اعتمادية الأردن على الولايات المتحدة من هامش المناورة. وربما الأخطر في هذا كله أن الدور الاقليمي للأردن لم يعد بضاعة تقدرها الدول الرئيسة في المسلمات الأردنية، فالسعودية فتحت خطوطها مع كل الاطراف المعادية لإيران وتحديدا إسرائيل، وفي الوقت ذاته لم تعد إسرائيل ترى الأردن جسرا للتواصل مع بقية العرب بعد أن اختلفت مصادر التهديد واصبح العامل الاسرائيلي عاملا هاما لدى السعودية في مواجهتها مع إيران، ناهيك عن بروز التيار الوطني الديني في إسرائيل واحكام قبضته على صناعة القرار وهو تيار يعادي الأردن.

على مدار السنوات الأخيرة فهم الأردن اخيرا المعادلة جيدا ، الا انه اتخذ سياسة خارجية سمتها الحذر الشديد وعدم اغضاب أي من الاطراف الرئيسة في المنطقة والعالم ، فالتماهي مع المواقف السعودية أو على الاقل عدم الاعتراض عليها تحول إلى ركيزة في السياسة الخارجية، ويحدث هذا في وقت تخلت فيه السعودية عن الأردن ليواجه وحده مشاكل اقتصادية متفاقمه،لا يمكنه التصدي وحيدا لها دون احداث خلل في المعادلات الداخلية وهذا أمر له عواقبه الوخيمة.

اذا ،فالحذر في السياسة الخارجية ،له كلفه داخلية باهظة ،قد تزعزع استقرار الدولة اذا ما اختارت الحكومة المضي في سياسة رفع الاسعار الذي تمضي جل وقتها واهتمامها في ترويجه..

السياسة الخارجية الحذرة القائمة على عدم اغضاب السعودية وامريكا وحتى اسرائيل ،كان يمكن تبريرها وهضمها ، لو أن هناك مكاسب مقابل ذلك. فعلى سبيل المثال، ماذا كسبنا من تخفيض العلاقات الدبلومساية مع قطر وطرد السفير القطري من عمان؟ ما هو المقابل لطرد حماس من الأردن؟ماذا كسبنا من الاصطفاف المجاني مع المحور السعودي الامارتي في تعاطينا مع الملف السوري؟

ويمكن بطبيعة الحال الاشارة إلى الكثير من الاحداث لكن بالمختصر المفيد أقول أن السياسة الحذرة ربما جنبت الأردن مخاطر كثيرة ، ولكنها حتما لم تساهم في تحقيق هدفي السياسة الخارجية الاساسيين وبخاصة مع انهيار النظام العربي وفقدان الاردن لدوره الوظيفي أو لنقل الاقليمي.

لم يسبق أن وصل الأردن إلى مثل هذه المرحلة من العجز الاقتصادي، المساعدات بالقطارة، البنك الدولي يتعامل معنا بلغة الارقام لدرجة أنه انتهك السيادة الأردنية بفرض الكثير من الاجراءات التي من شأنها أن تعصف بأسس استقرار البلد، نسبة البطالية بين الشباب تجاوزت ال 40% ناهيك عن ارتفاع غير مبرر للمديونية. طبعا هذه مشاكلنا وهي مشاكل بنيوية وربما مزمنه كانت السياسة الخارجية في وقت ما قادرة على التخفيف من حدتها. غير أن الأمر الجلي أن السياسة الخارجية كأداة لم تعد قادرة على فرملة دواليب التدهور، فماذا نحن فاعلون؟

لقد حان الوقت لاعادة النظر ببعض المسلمات، فحلفاء الامس ما عادوا يولوننا ذات الاهتمام والرعاية ، وقد يخذلوننا عندما تحين ساعة الحقيقة ، بل سيقدمونا ككبش فداء لمخرجات صراع غرب النهر الذي يبدو انه سيأخذ اتجاه واحد وجلي..

خلاصة القول ، انه لا يمكن للأردن الوثوق ،بعد اليوم، بهذه المسلمات فمن مأمنه يؤتى الحذر .
 
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير