jo24_banner
jo24_banner

الأردن يستعيد زمام المبادرة

د. حسن البراري
جو 24 :
دفعت الأحداث الأخيرة – المترتبة على قرار الرئيس دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل – الأردن إلى واجهة الحدث مجددا بعد أن تماهي جلالة الملك عبدالله الثاني مع الشارع الأردني في رفضه القاطع وغير القابل للتأويل لقرار الإدارة الأمريكية. فمواقف الملك ومهارته في التقاط اللحظة وفتح قناة مع تركيا بعثت برسالة واضحة لعواصم عربية وازنة تفيد بأن مرحلة تجاهل مصالح الأردن لن تمر من دون اعادة رسم التحالفات الأردنية بما يخدم مصلحته الوطنية ومصلحة الجانب الفلسطيني.

التحول بدأ من عمان، فمشهد التلاحم الوطني والتطابق التام بين الشارع بمختلف القوى السياسية ورأس الدولة أعاد للأذهان ذاك التلاحم الاسطوري الذي تجلى بأبهى صوره في تماهي الراحل الحسين بن طلال مع شعبه في رفض العدوان الغربي على العراق في عام ١٩٩١. يومها رفض الأردن الدخول في تحالف حفر الباطن لأنه كان يدرك تماما الابعاد الاستراتيجية لتدمير دولة بحجم ومكانة العراق.

للأسف الشديد، استمرأت بعض العواصم العربية تجاهل مصالح الأردن وكأن الأردن في جيب الآخرين وبخاصة الذين اعتقدوا أن هامش المناورة أمام القيادة الأردنية بات ضيقا، فجاء قرار ترامب الكارثي وإذ بالملك يقفز فوق الجميع ويقود بلده في رفض القرار فعلا وليس قولا، فزيارة الملك لتركيا والاتفاق مع الرئيس اردوغان على عدد من المبادئ الأساسية التي ستحدد الموقف من ملف القدس هي التعبير الأبرز للمقاربة الأردنية الجديدة. كما أن قنوات الحوار مع قطر باتت مفتوحة أكثر من أي وقت مضى، وبهذا فإن الأردن قلب الطاولة على من قلل من قدرته على المناورة في وقت انضبط فيه محور الاعتدال العربي على دقات ساعة التحالف الصهيوامريكي.

بعض العواصم اعلنت عن رفض فاتر للقرار الأمريكي وجاء رفضها كسحابة دخان تخفي خلفها تفاهمات عربية امريكية باتت تلحق ضرراً بالغاً بمصالح الأردن والفلسطينيين، والحق أن موقف الأردن الرسمي والتأييد الشعبي الكامل لموقف القيادة في ملف القدس وضع جلالة الملك في موقف أقوى من الذين خذلوا بلاده في السنوات الأخيرة.

سيزور جلالة الملك السعودية غدا وهو في وضع مختلف، فهو صاحب الموقف الأصلب وتأييد بلاده له لا يحتاج لبرهان بعد أن عمت المظاهرات مدن المملكة الأردنية الهاشمية وبعد أن تحرك البرلمان الأردن لاجراء مراجعة لمعاهدة وادي عربه، وهي أمور ما كانت لتتم لولا انحياز الملك عبدالله الثاني للشارع الأردني تحديدا في ملف القدس.

وحتى نكون مباشرين أقول أن السعودية التي يتهمها البعض ب "تفهم" موقف إدارة ترامب باتت في موقف دفاعي وهي ربما لا تملك الحجة ضد التقارب الأردني التركي بعد أن تخلت السعودية عن الأردن وهو يمر بأسوأ وضع اقتصادي في السنوات الأخيرة، فالسخاء السعودي عندما يتعلق الأمر بالولايات المتحدة لم يطال الأردن الذي وقف مع السعودية في السراء والضراء. وعليه فإن الملك عبدالله الثاني يمتلك الحجة الأقوى والرؤية الأوضح في ملف القدس.

يبدو أن الأردن قرر أن يخرج من التبعية للسعودية التي كان يبررها بالدور الهام الذي تلعبه السعودية، غير أن تقارب الرياض مع تل أبيب وانقلاب الثاني على موقفها الاستراتيجي التقليدي تجاه عمان دق ناقوس الخطر في عمان، فلا إسرائيل معنية بحل الدولتين ولا الرياض معنية بالقضية الفلسطينية، فهي منشغلة بتنافس مع إيران وفي سبيل دحرها لم تعد ترى بإسرائيل العدو المتربص غرب النهر الذي يزاداد وقوة ورغبة في انهاء حل مشكلته وأزمته الديمغرافية على حساب الأردن. والحال أن الأردن بقيادة عبدالله الثاني تحول إلى السد المنيع أمام هذه التفاهمات الخبيثة.

يبدو أن الأردن بأت أميل إلى اطلاق رصاصة الرحمة على مرحلة عدم التقين أو المرحلة التي تميزت بسعة صدر الاردن أمام تجاهل ذوي القربى، فالأمر لم يعد يحتمل والملك بهذا المعنى ليس معزولا عن شعبه، فهو صاحب الشرعية الحقيقية بين اقرانه من العرب وهو ينطلق مستندا إلى موقف الشارع الأردني الذي لم يكن يوما إلا شارعا منحازا لكل قضايا العرب.
 
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير