"المطبخ" السياسي في الأردن
د. حسن البراري
جو 24 :
يرى بعض الأردنيين بأنه لا يوجد مطبخ سياسي في الأردن وكأن الأردن يدار من قبل مجموعة لا خبرة لهم بالسياسة الخارجية، وبالمناسبة أول من استخدم كلمة "المطبخ" هي رئيسة وزراء إسرائيل غولدا مئير عندما كانت تعقد اجتماعاتها الحاسمة للمجلس المصغر في بداية سبعينيات القرن الماضي في مطبخ بيتها بالقدس. وكان يفهم في ذلك الوقت أن بقية الحكومة ما هي الا كومبارس لا تملك سوى الموافقة على ما يخرج من ذلك المطبخ.
هناك كتاب وسياسيون اردنيون يرون أن الوضع الاقليمي المتردي يتطلب وجود خلية أزمة أو مطبخ سياسي، ويرى الدكتور مروان المعشر بأن الدولة تتصرف بشكل اقصائي وبدون تخطيط استراتيجي حسبما ورد على لسانه في محاضرة له في نقابة الصحفيين عقدت مؤخرا. وانتقاد المعشر غير المباشر لرأس الدولة بتغييبه النخب السياسية ذات الخبرة يأتي في خضم انتشار انطباع عند الأردنيين بأن هناك سياسة رسمية تُغيّب الكفاءات وتستبدلهم بموظفين.
الاستاذ عدنان أبو عودة كان أكثر وضوحا -فالرجل لا يبني مواقفه جزافا ولا يعاني من احباطات سياسية- وقال بأن مواجهة ملف القدس تحتاج لوجود سياسيين وباحثين على درحة عالية من التحدي، وهذا المطلب هو مشروع نظراً لما يواجهه الاردن من تحديات ابرزها غياب الحلفاء في مواجهة اسرائيل. فالأردن لا يدافع عن فلسطين فقط وانما عن نفسه إذ يحاول الكيان الصهيوني حل مشاكلة الديمغرافية عبر تطويع الاردن للقبول بمخرجات حل الصراع على حساب الفلسطينيين والأردنيين معا، وللأسف هناك بعض الدول العربية الوازنة لا تمانع ذلك.
المفارقة أن استطلاعات الرأي التي اعطت الحكومات المتعاقبة درجات متدنية في ادارة شؤون البلاد والعباد وبخاصة فيما يتعلق بالفقر والبطالة كانت قد اعطت السياسة الخارجية الأردنية تقديرا عاليا، والحق أن الأردن تمكن في سنوات الثورات العربية من الحفاظ على وحدته الداخلية وأمنه وحدوده بسبب سياسته الخارجية التي إدارها الملك باقتدار. ولا ننسى أن الأردن ليست دولة عظمى ولا تملك امكانات كما هو غيرها ومع ذلك حققت ما يمكن وصفه بالانجازات.
في حديث خاص مع وزير خارجية مخضرم -عبدالاله الخطيب- في الأمس في كلية الدراسات الدولية اخبرنا بأن الدبلوماسية الأردنية نجحت في تحقيق الكثير من الانجازات وتناول الأمر في سياق تاريخي وكان محقا في ذلك. والخطيب الذي يعد أفضل وزير خارجية لما يملك من فهم عميق وثقافة رفيعة ووطنية حقيقية اشار إلى أن هناك كفاءات أردنية يمكن لها المساهمة في ادارة شؤون البلاد. واشار إلى أن هناك من يعتقد أن الاردن هو دولة عظمى وعليها أن تتصرف وقفا لذلك بينما هناك من يرى بأن الأردن هي الطرف المتلقي ولا تملك هامشا للمناورة. وبعيدا عن تفسير الخطيب للحالة الاردنية أقول وأنا مسؤول عن كلامي بأنني لم التق مسؤولا رسميا إلا وكان منتميا للتيار الذي يصغر من اكتاف الأردن وهنا الطامة. ليس المطلوب أن نعيش في وهم لكن أن يباشر الاردن بالاشتباك الايجابي مع الجميع بما يضمن الحفاظ على الحد الأدنى من مصالحه.
وحتى لا نكون متشائمين، أقول بأن بقاء الأردن في الاقليم الملتهب منذ نهاية الحرب العالمية الثانية هو أمر اعجازي بكل المقاييس وبالفعل كان للسياسة الخارجية الدور الكبير في تأمين البقاء والمساعدات. لكن نحن بحاجة إلى الفكاك من المساعدات التي ترهن البلد للعب دور لم يعد يستقيم مع مفهوم البقاء على المدى المتوسط. لذلك هناك حاجة للاعتماد على الذات والانتباه للداخل، فالاهتمام بالتنمية ومحاربة الفساد ومزيد من الاصلاحات الحقيقية لم تعد ترفاً إن اردنا بالفعل الحفاظ على مصالحنا في اقليم تغيرت فيه التحالفات واصبح المشروع الصهيوني يستهدفنا جهارا نهارا، ونخشى بل نتوجس من التيارات التوطينية التي بدأت تطل برأسها تحت يافطات الاصلاح البراقة توطئة لتقديم الاردن كبش فداء لإسرائيل.
أتمنى على صناع القرار الاستماع جيدا لما يقوله الاستاذ عدنان أبو عودة والاستاذ عبدالاله الخطيب، فهما رجال دولة من العيار الثقيل وأجزم بأنهما الأكثر فهما للملفات الاقليمية والدولية من سائر المسؤولين السابقين واللاحقين. فتشكيل خلية أزمة تضم السياسيين والباحثين الجادين بات اليوم مطلوبا أكثر من أي وقت مضى.








