اعلام التيه: من نصدق؟
د. حسن البراري
جو 24 :
سقطت ورقة التوت عن الاعلام العربي الرسمي والخاص بعد أن جُنّد من قبل مُموليه وتحول إلى أداه للدفاع عن هذا البلد والهجوم على تلك، فلا متسع للحياد ولا الموضوعية، وتم اغتيال المهنية على مشجب لا صوت يعلو على صوت المعركة التي – وبعد أن اعاد العرب سيوفهم الى اغمادها مرة وللأبد – اصبحت تدور رحاها في ساحات الاعلام إذ تحولت ساحات الوغى الى ساحات افتراضية يمكن فيها للجبان قبل الشجاع أن يتبجح ببطولاته المتخلية. والحال أن ضحية التخندق الاعلامي لكبريات المنابر الاعلامية العربية هي الحقيقة، فالاعلام لم يعد وسيلة لاثراء النقاش وانما وسيلة للنضال والصراع فقط، فلم نعد نرصد الرأي والرأي الآخر لأن "المعركة" السيريالية تقتضي الانتقائية والتلفيق والاستهداف.
عند متابعة المحطات الفضائية العربية تجد أن كل محطة تقريبا تدافع عن البلد التي تمتلكها وتتحول بقدرة قادر إلى وسيلة للنيل من خصوم البلد المالك، فلا يمكن الاشارة الى تحقيق استقصائي مهني واحد تقوم به محطة فضائية عربية للتوقف عند أي قضية داخلية للبلد المالك أو الممول، وهي محطات تنتقد كل شيء تحت الشمس الا البلد المموّل وكأن شعوب هذه الدول يعيشيون في مدينة ابن رشد الفاضلة.
في نقاش مع عدد من الاصدقاء المتابعين للشأن الاقليمي كان هناك اجماع بأن الكثير من الاخبار هي محض افتراء وكذب، ويقترح باتر وردم على صفحته بالفيس بوك بأنه حالما تقرأ أو تسمع خبراً ربما عليك التريث والافتراض مسبقا بأن الخبر هو "كذب" والبدء بالربط بين الخبر ومموّل أو مالك الوسيلة الاعلامية عندها يمكن لك أن تتحقق من كيف يخدم الخبر الجهة المالكة! فمثلا عندما تقوم صحيفة بنشر خبر حشودات عسكرية سعودية على حدود الأردن وعندما يتناول مصدر اعلامي آخر خبر "انقلاب" في الأردن فالمطلوب التأكد من هوية مصدر الخبر وعلاقته بالدولة الممولة وموقف هذه الدولة من الأردن عندها يمكن الى حد ما التيقن من مصداقية الخبر.
هناك نقد كبير حتى على الاعلام الغربي، فهو ليس اعلاما من دون أخطاء، غير أن الواقع هناك مختلف، فمثلا قد نجد نمطا من الاعلام في الولايات المتحدة مثل ال سي ان ان والنيويورك تايمز والواشنطن بوست أو الغارديان في بريطانيا يقدم مادة اخبارية صحيحة ولها موقف نقدي من السلطة الحاكمة وهذا الأمر شبه معدوم في البلاد العربية، فلا أكاد أجد وسيلة اعلامية واحدة ممولة أو مملوكة من السعودية تقدم للقراء والمشاهدين والمستمعين أي تحليل نقدي للسعودية! وهذا ينطبق أيضا على الاعلام المتماهي مع نظام بشار أو إيران أو غيرها من الدولة التي اقامت امبرطوريات اعلامية.
ومما يزيد من الطين بلة أن الأغلبية الساحقة من الكتّاب في عالمنا العربي منخرطون في علاقات ريعية أو زبائنية مع اجهزة أمنية أو حكومات وبالتالي تجد أن تحليلاتهم تخدم فقد وجه النظر الرسمية ويغيب عنها النقد والاستقلالية. وهناك عدد من الدول الثرية أوهمت نفسها بأنها تمتلك القوة الناعمة من خلال السيطرة على اعلام موجه لخلق وعي مزيف في الشارع العربي، وهذا النمط من الاعلام هو الأسوأ لأنه يساهم بشكل ممنهج في تدمير الوعيّ وتشتيت البشر عن القضايا المصيرية.
ووصل الاعلام على درجة التزييف، فمثلا تقدم بعض الفضائيات قراءات للصحافة الاجنبية، وتقوم بالتركيز على المقالات والمواد الاخبارية التي تنال من دول عربية أخرى، وليت الامر يتوقف عند هذا الحد إذ يقوم اعلام الدولة العربية المستهدفة بتقديم نفس المقال لكن بمعنى آخر وهكذا دواليك. بكلمة، نعيش في مرحلة يصعب علينا تصديق أي مصدر اخباري عربي، فافتراض أن الخبر غير صحيح هو الاسلم في الكثير من الاحوال.








