jo24_banner
jo24_banner

الأمن الغذائي الاردني في مهب الريح

د. حسن البراري
جو 24 :
أحد الخبراء الأجانب ينصح دول العالم الثالث الفقيرة مائيا بعدم الزراعة، لأن الأخيرة تستهلك كميات كبيرة من المياه في وقت لا تساهم فيه إلا بنسبة ضئيلة من اجمالي الناتج المحلي. وينصح ذات الخبير هذه الدول بتحويل موارد المياه باتجاه قطاعي الخدمات والصناعة لأن عائد كل وحدة مياه في هذين القطاعين يكون كبيراً.

مايكل غيلمونت، أحد أهم خبراء المياه في العالم أجرى دراسات على أصناف متعددة من المحاصيل المروية في كل من الأردن وإسرائيل، ليصل إلى نتيجة مفادها أن الجانب الإسرائيلي أكثر قدرة على تعظيم العائد من كل وحدة مياه تصرف على الزراعة، ولا غرابة في هذا الاستنتاج، لأن إسرائيل هي أكثر دولة متقدمة بالعالم في تكنولوجيا زراعة الصحراء وهي الدولة التي اخترعت الري بالتنقيط.

لسنا هنا بمنافسة أحد، فالمسألة بالنسبة للأردنيين تتعلق بالأمن الغذائي بالدرجة الأولى، والمسألة ليست حسابات رياضية لأن مالية الدولة ليست معادلات رياضية بل سياسات عامة تعود بالرخاء على الجميع، والدولة التي تدير سياساتها الزراعية وغيرها بعقلية مدير شركة هي من يخسر في نهاية الأمر.

المشكلة في الأردن ليست فقط في أن الأردن دولة فقيرة بمواردها المائية ولكن هناك مشكلة في إدارة هذه الموارد، فنسبة الفاقد الناتجة عن تآكل البنى التحتية والسرقات المائية وغيرها أضعفت مخزون الأردن من هذه الموارد، وهناك سياسات خاطئة مثل الضخ الجائر لبعض الأحواض المائية لتقديم الماء إلى اللاجئين السوريين بدلا من إدارة هذه الأحواض حتى ترتفع نسبة استراداد الماء. وبالتالي فإن حسبة استضافة اللاجئين لم تكن دقيقة ولم تأخذ بالحسبان أن هناك قيودأ على الموارد وأهمها الموارد المائية.

مع التسليم بمحدودية الموارد المائية فإن النصائح التي تقدم للأردن من الخارج لا تخدم الإقتصاد الأردني على المدى البعيد، فربما قدرة الأردن في المنافسة الصناعية وفي الخدمات أقل وبخاصة في ظل السياسة الجبائية للحكومات المتعاقبة التي رفعت من مدخلات الانتاج بحيث أصبح المنتوج الأردني عاجزاً عن المنافسة. وكل النصائح للحكومات وقبول الحكومات بهذه النصائح أضعفت الأردن زراعياً بحيث أصبح الأردن يستورد الغالبية العظمى من احتياجاته الغذائية ما خلق اعتمادية فاقمت من انكشاف الأردن الاستراتيجي.

لا نعرف الحكمة وراء استهداف الحكومة للقطاع الزراعي من خلال رفع الضريبة على مدخلات الانتاج، فالأصل أن يكون هذا القطاع مدعوما ومحمياً كما تفعل إسبانيا أو بريطانيا على سبيل المثال، فكل اتفاقيات الشراكة اليورومتوسطية التي وقعها الاتحاد الأوروبي كانت تخضع لحسابات بريطانيا وإسبانيا فيما يتعلق بالانتاج الزراعي. هذه دول متقدمة ولها قدرة على المنافسة صناعيا وخدميا على مستوى العالم إلا أنها لا تفرط بأمنها الغذائي ولا تقبل باعتمادية مطلقة على تقلبات السوق العالمية.

نحتاج في الأردن إلى جلسة تأمل لعلنا نتوقف عن مسار رضيناه بحجة أن الذي يقدم الدراسات والنصح للأردن هو من الخارج، فكل ما اطلعت عليه من دراسات ترى بأن على الأردن التصرف بالمياه بعيدا عن الزراعة هي دراسات تقدم مساهمة الزراعة في اجمالي الناتج المحلي كمعادلة رياضية ولا تفهم أن معادلات الأمن تتطلب قلب هذه المعادلات، فلو كانت حسبة ارقام فقط لقامت الدول بتخفيض نفقاتها العسكرية إلى الصفر، لكنه تنفق على ذلك وتقتطع جزءا معقولا من مواردها لتحقيق الأمن. لا أميل إلى نظرية المؤامرة لكن هناك شكوك تحوم حول الكثير من الدراسات التي تقدم وكأن الباطل لا يأتيها لا من خلفها ولا من أمامها.
 
تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير