هل يقودنا النسور إلى فوضى بلا أفق سياسي؟
كتب - د. حسن البراري - وسط اجواء سياسية ملبدة بالغيوم تتسيّد المشهد الداخلي حالة من الغموض والضبابية، فبعيدا عن جبهة الشمال ومآلاتها القادمة ومراهنة رئيس الوزراء المكلف عبدالله النسور عليها لتصدير ازمته السياسية فإن الغموض يكتنف أداء الحكومة وحساباتها بعد أن ظهر للسطح نفسا برلمانيا معاديا للرئيس النسور شخصيا.
فعلى نحو لافت، أسقط الرئيس المكلف عبدالله النسور من حساباته مكونيّن هامين لبقائه السياسي امتثالا وخضوعا لتعليمات واضحة ليس له دور في بلورتها أو صياغتها وله كل الدور في تنفيذها. أولا، قام بتغييب الشارع من حساباته على اعتبار أنه ليس بوسع الشارع القيام بأكثر من مظاهرة هنا وأخرى هناك، وقد تعزز هذا الشعور بعد أن عمت حالة من الهدوء في الفترة التي أعقبت هبة تشرين إذ توّلدت قناعة لدى رأس الدولة بأن عبدالله النسور هو الأقدر على مواجهة الشارع إذا ما دعت الحاجة. ثانيا، أسقط الرئيس المكلف من حساباته الضيقة البرلمان- لا خشية منه أو خشية عليه- بشكل أثار غضب عدد كبير من النواب الذين باتوا يشعروا بأن النسور وجه اهانة شخصية لمجلسهم بعد سلسلة من المشاورات الشكلية وكأن لسان حاله يقول سأحصل على ثقة مجلسكم رغما عنكم!
ربما غاب عن بال الدكتور عبدالله النسور ان تأمين الثقة في البرلمان لصالح حكومة ستستهدف جيب المواطن يستلزم تدخلا من المركز الأمني السياسي، وربما غاب عن بال النسور أيضا انه حتى يعمل المركز الأمني بفعالية فإن هناك حاجة لوجود قائد أوركسترا لخلق هرمونيا وتجانس في موقف السادة النواب، وغاب عن بال السيد النسور أن قانون الصوت الواحد ينتج بالضرورة مجلسا لا يمكن له العمل بالحد الادني من التجانس والتوافق ولا يمكن ضبط ايقاعه مع المطلوب من قبل المرجعيات العليا دون وجود قائد اوركسترا يتحكم بخيوط اللعبة النيابية لصالح الحكومة، والجهة الوحيدة المخوّلة للعب هذا الدور - المرفوض والمدان - هي المخابرات العامة.
انتقاد الملك عبدالله الثاني لجهاز المخابرات وتدخلاته- حسبما ورد في المقابلة الشهيرة التي منحها الملك للصحفي الاميركي جيفري غولدبيرغ- جاءت بمثابة رسالة واضحة تفيد أن الملك سأم من التدخل الأمني، العديد من النواب التقط الرسالة الملكية التي تحثهم على عدم الاستماع لجهاز المخابرات إن حاول التدخل في شؤون مجلس النواب. ويطرح هذا الواقع تساؤلا حول كيف يمكن للرئيس النسور ان يحصل على ثقة مجلس وجه له الصفعة تلو الاخرى دون تدخل أمني؟ والهجوم الذي شنته اواسط عديدة على جهاز المخابرات دفع الاخير بأن يكف يده ولا يتدخل الا بالحدود الدنيا، ولذلك فإن ضابط الهرمونيا المطلوب للتعامل مع مفرزات قانون الصوت الواحد ما زال غائبا كمفهوم وكتطبيق. لذلك على الارجح أن تعاني الحكومة من مجلس نواب منلفت من كل عقال يرى بأن النسور يشكل خطرا كبيرا على مكانتهم بالشارع وعلى ما تبقى لهم من شرعية يمكن ان تعطيهم الامان لعبور المرحلة والبقاء لاكمال مدتهم.
على ماذا يعتمد النسور في هذه الحالة لتأمين ثقة مجلس النواب حتى يعبر المرحلة؟ النسور ليس من دون اسلحة في هذه المعركة التي تذاكى بها على الجميع، فكون فريقه الوزراي ضعيفا وغير مقنع لا يردعه من التقدم بطلب ثقة مجلس نواب يشعر باهانة شخصية من النسور الذي ضحك عليهم على حد تعبير العديد منهم. الراهن انه ما زال بمخزون النسور تكتيكات اخرى غير الاعتماد على جهاز المخابرات العامة لتأمين الثقة له، ومن هذه التكتيكات الجديدة هي الترهيب! لذلك قرأنا بعض التسريبات معروفة المصدر بطبيعة الحال تفيد بأن محمد دخلان ومحمد الذهبي موّلا حملات انتخابية. اللافت أن توقيت هذه التسريبات جاء بعد أن تحرك احد النواب المعروفين بقربهم من الجنرال محمد الذهبي لاسقاط النسور. فاللعب على وتر تمويل الحملات يهدف الى ردع النائب خوفا من الصاق تهمة له في قادم الايام ان تجرأ على الاستمرار في محاولاته الجادة كما وصفها حسين هزاع المجالي على قصاصة ورقة بعث بها للنسور ورصدتها عدسة احد مصوري صحيفة الغد.
وإذا كان هناك بالفعل تمويل لبعض المرشحين من جهات، فإن على الحكومة عرضها على الشارع وليس فقط التلويح بها، على أن الأمر يجب ان لا يكون انتقائيا ومرتبطا بالثقة بل يشمل كافة الذين تم تمويل حملاتهم سواء من نجح منهم او من لم يحالفه الحظ، فهناك الكثير من الاحاديث التي يتناقلها المطلعون تفيد أنه تم تمويل حملات انتخابية لعدد من المرشحين وأحدهم تم تسديد كافة ديونه بعد أن كان بيته عرضة للبيع بالمزاد العلني.
باتت هناك قناعة راسخة بين أوساط واسعة من المراقبين مفادها أن عبدالله النسور يمر في اصعب مراحل عمره السياسي، فقد تخلى عنه المركز الأمني وهو مطالب بخلع شوكه بيديه، ولم ينفعه تذاكيه على الشارع وعلى النواب من المضي في برنامجه وكأنه تناسى المقولة المعروفة التي تفيد بأنه بامكانك الضحك على بعض الناس كل الوقت، وبامكانك الضحك على كل الناس بعض الوقت، لكن ليس بإمكانك الضحك على كل الناس كل الوقت.
نضع أيدينا على قلوبنا خشية من- لا سمح الله -له سيناريو فوضىى بلا أي أفق سياسي، عندها ستكون كل السيناريوهات الخطرة ممكنة ولن ينفع معها الاستعلاء والتذاكي. وفي هذا السياق ربما علينا تذكير انفسنا أنه حتى حلفاء الاردن في اميركا قلقين على الاردن، فمجرد مشاهدة برنامج عرضته محطة ام أس ان بي سي الأميركية التي استضافت جيفري غولدبيرغ وغيره من المتحدثين اصدقاء الاردن تكشف الصورة التي تتكون عن البلد في الغرب، فقد عبر المتحدثون عن قلق الولايات المتحدة تجاه ما يجري بالاردن وأن هناك حاجة لدعم النظام في الاردن بعد سلسلة من الاخفاقات التي ساهم بها النسور بطبيعة الحال، فالسؤال المطروح أميركيا هو فيما إذا كنا نسير باتجاه عدم استقرار وسط غياب أي افق سياسي حقيقي. فرضى الادارة الأميركية عن عبدالله النسور واستعداد الاخير لتصعيد الامور مع سوريا انسجاما مع الرؤية الاميركية يجب ان لا يكون بديلا عن رضى الشارع الاردني وبرلمانه حتى لو تمكن من انتزاع الثقة بأساليب باتت معروفة للقاصي والداني، فمن شأن الايغال بالاستخفاف بالاردنيين وبمعيشتهم أن يطرح تساؤلات لن يتمكن النسور ولا غيره من الاجابة عليها.








