2026-02-02 - الإثنين
Weather Data Source: het weer vandaag Amman per uur
jo24_banner
jo24_banner

فندق كراون بلازا البترا: خسائر متراكمة على الضمان الاجتماعي.. وغياب كامل للمساءلة #عاجل

فندق كراون بلازا البترا: خسائر متراكمة على الضمان الاجتماعي.. وغياب كامل للمساءلة #عاجل
جو 24 :

كتب د. واصل المشاقبة - 

لا يمكن النظر الى ملف فندق كراون بلازا البترا بوصفه مشروعاً تأخر انجازه، بل بوصفه نموذجاً صارخاً لاختلال الحوكمة في ادارة أصل عام مملوك للضمان الاجتماعي. فالمسألة لم تكن يوماً مسألة مبنى مغلق، بل مسألة قرار غائب، متابعة ضعيفة، ومسؤولية لم يمارسها أحد كما يجب.

فالاغلاق الذي امتد لأكثر من ١٤ عاماً لا يمكن تفسيره بتعثر فني عابر، بل يعكس سلسلة طويلة من القرارات المؤجلة، ضعف المتابعة، وتآكل ادوات الرقابة عبر ادارات متعاقبة. ان تعطيل منشأة سياحية بهذا الحجم، وتحت عناوين وتبريرات متكررة مثل "التطوير” و”التحديث”، أو لتعثر الشركة المنفذة، يكشف خللاً عميقاً في ادارة المال العام ويطرح اسئلة مباشرة حول من يتحمل مسؤولية هذا التعطيل وما ترتب عليه من خسائر متراكمة.

ويظهر غياب الثبات في القرار الاستثماري بوضوح عند مراجعة تطور الرؤية للمشروع. ففي عام ٢٠١٥ طُرحت خطة لإزالة الفندق بالكامل وبناء منشأة جديدة بكلفة تقديرية بلغت ٢٥ مليون دينار، قبل التراجع عنها لصالح خيار اقل طموحاً يقوم على تحديث المبنى القائم واعادة تأهيله ليضم ١٤٣ غرفة بتصنيف خمس نجوم، بكلفة بلغت ١٨ مليون دينار. هذا الانتقال من مشروع انشائي كامل الى مشروع تحديث محدود يثير تساؤلات مشروعة حول الأسس الفنية والاقتصادية التي بُنيت عليها هذه القرارات، ومدى الالتزام برؤية واضحة قابلة للتنفيذ ضمن جداول زمنية محددة.

ويقع فندق كراون بلازا البترا على قطعة ارض مساحتها ٦٦ دونمًا، تُقدر دائرة الأراضي قيمة المتر فيها بنحو ١٬٠٠٠ دينار، ما يضع قيمة الأرض عند حدود ٦٦ مليون دينار. وخضع الفندق لأعمال تحديث شاملة، تشمل الصيانة والتجهيزات على مساحة بناء تقارب ١٥٬٢٠٠ متر مربع، فيما تُقددر قيمة التجهيزات والاثاث وفق المعايير الفنية لفنادق الخمس نجوم بنحو ٥٠٠ دينار للمتر، اي ما يقارب ٧٫٦ مليون دينار. وبذلك تصل القيمة الاجمالية للأرض واعمال التحديث والتجهيزات الى نحو ٩١٫٦ مليون دينار وهو استثمار عام كبير بقي معطلاً لسنوات طويلة دون توليد اي عائد. ويجدر التنويه الى ان الفندق قبل بدء اعمال التحديث كان أصلاً قائماً ذا قيمة انشائية، الا ان هذا التحليل يركّز حصرياً على كلفة الفرصة البديلة للاستثمار المجمد بعد عام ٢٠١٧، دون ادخال تقديرات افتراضية لقيمة المبنى قبل التحديث لغياب بيانات منشورة وموثقة حول قيمته الدفترية او الاقتصادية آنذاك.

وبالنظر الى حجم هذا الاستثمار، كان من المتوقع ان يحقق الفندق في الظروف التشغيلية الطبيعية عوائد سنوية تتجاوز ٣–٤ ملايين دينار. ومع الاخذ بالاعتبار الأثر الاستثنائي لجائحة كورونا خلال عامي ٢٠٢٠ و٢٠٢١، حيث تراجع النشاط السياحي بشكل حاد فان احتساب كلفة الفرصة البديلة يستوجب استثناء هذين العامين من العائد الكامل. وعليه، فان تعطيل الفندق منذ عام ٢٠١٧ وحتى نهاية ٢٠٢٥ يترتب عليه خسارة تراكمية من كلفة الفرصة البديلة تُقدر بنحو ٢١–٢٨ مليون دينار، وهي خسارة تعكس تعطل العائد الاستثماري خلال سنوات كان يمكن فيها للأصل ان يعمل في ظروف سوق طبيعية.

وتتضح ملامح هذا الاخفاق بشكل اكثر حدة عند مراجعة المسار الزمني للتنفيذ. فقد نص الاتفاق مع المقاول على انجاز المشروع خلال ١٨٠ يوماً، الا ان التنفيذ امتد فعلياً من عام ٢٠١٧ حتى بداية عام ٢٠٢٦، أي ما يقارب ٩ سنوات او نحو ٣٢٨٥ يوما، وهو تأخير يعادل ١٨ ضعف المدة المتفق عليها. هذا الفارق الكبير بين المخطط والمنفذ لا يمكن تفسيره بعوامل فنية اعتيادية، ولا بتحديات تنفيذية مفاجئة، بل يعكس خللاً عميقاً في المتابعة وتضارباً في القرار، وضعفاً في الحسم الا داري، وتراجعاً ملموساً في فاعلية الرقابة المؤسسية.

وتكمن خطورة هذا التأخير في كلفته الاقتصادية المتراكمة، وهي كلفة تتجاوز بكثير أي ارقام مدرجة في الموازنة. فتعطيل الفندق طوال هذه السنوات حرم أبناء المنطقة من ما يقارب ٢٠٠ فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة كانت ستوفر دخلاً مستداماً لعشرات الأسر وتسهم في تثبيت النشاط الاقتصادي المحلي. كما ادى غياب الفندق عن الحركة السياحية إلى فقدان عوائد ضريبة المبيعات الناتجة عن انفاق النزلاء والزوار، وضياع ضريبة الدخل التي كان من المفترض ان يدفعها المشغل سنويا الى الخزينة، اضافة الى خسارة إرباح تشغيلية كان يمكن أن تعزز موجودات صندوق استثمار اموال الضمان وتدعم حقوق المشتركين فيه.

كما حُرمت مؤسسة الضمان الاجتماعي من اشتراكات العاملين التي كانت ستتولد عن التشغيل المبكر للفندق وهي اشتراكات ترتبط بطبيعة وظائف مستقرة وذات اجور اعلى مقارنة بالبدائل القائمة. ورغم استمرار النشاط السياحي في المنطقة عبر منشآت أخرى، الا ان غياب فندق بهذا التصنيف ادى الى تراجع مستوى القيمة المضافة المحلية، وانعكس سلباً على حجم ونوعية الانفاق السياحي.

ولا تقتصر الخسائر على ما سبق، اذ ادى طول فترة الاغلاق وتبدّل الخطط وتكرار الدراسات الى رفع الكلفة الاقتصادية للمشروع، ليس من خلال زيادة الانفاق الرأسمالي بل عبر تضخم تكلفة الفرصة البديلة وتعطّل العائد الاستثماري المتوقع طوال سنوات التوقف. وامتد الضرر ليشمل سلسلة القيمة السياحية بأكملها.

وما يزيد من خطورة المشهد ان المشروع لم يكن بلا اشراف اداري او مؤسسي. فقد خضع لرقابة ثلاث جهات رسمية يفترض انها تمثل اعلى مستويات الحوكمة في ادارة اصول الضمان الاجتماعي. خلال فترة الاغلاق والتحديث، تعاقب على مؤسسة الضمان الاجتماعي ١٢ رئيس مجلس ادارة بمنصب وزير عمل و٥ مديرين عامين. وفي الشركة الوطنية للتنمية السياحية، الذراع التنفيذي للمشاريع السياحية التابعة للصندوق، مر ٩ رؤساء لمجلس الادارة او هيئة المديرين و٥ مديرين عامين. اما صندوق استثمار اموال الضمان الاجتماعي، الجهة الاكثر التصاقاً بالمشروع من حيث القرار والمتابعة، فقد تعاقب عليه ٨ رؤساء تنفيذيين و٥ رؤساء لمجلس ادارة الاستثمار خلال الفترة ذاتها.

وبذلك يكون اكثر من ٤٠ مسؤولاً رسمياً قد شغلوا مواقع اشراف او ادارة او رقابة على هذا المشروع، دون ان ينجح اي منهم في كسر حلقة التعطيل او دفع المشروع نحو الانجاز. وهذا الرقم بحد ذاته لا يعكس قوة منظومة الحوكمة، بل يكشف تعطلها وضعفها بصورة لا يمكن تجاهلها.

والى جانب كلفة التعطيل الرأسمالي، تحملت المؤسسات المعنية كلفة ادارية مستمرة طوال سنوات الاغلاق، شملت رواتب ومستحقات ومكافآت مجالس ادارات وادارات تنفيذية متعاقبة في ثلاث مؤسسات عامة من دون ان يقابل هذا الانفاق اي عائد تشغيلي من الأصل نفسه. ولا تُناقش هذه الكلفة من زاوية الرواتب بحد ذاتها بل من زاوية كفاءة تخصيص الموارد العامة، حين يستمر الانفاق الاداري في ظل غياب الأصل المنتج والعائد الاستثماري المرتبط به. ومع الأخذ بالاعتبار تعاقب اكثر من ٤٠ مسؤولاً على مواقع الاشراف والقرار خلال نحو ١٤ عاماً، فان الكلفة التراكمية للرواتب والمكافات والمزايا الاحترافية الادارية تمثل كلفة مالية اضافية على اموال الضمان الاجتماعي، في ظل محدودية النتائج المتحققة خلال تلك الفترة، ما يفتح باباً مشروعاً للتساؤل حول جدوى هذا الانفاق.

ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه: لو كان مالك هذا الفندق احد أولئك المسؤولين الذين تعاقبوا على الاشراف والقرار، هل كان من الممكن ان يُترك المشروع معطلاً طوال هذه السنوات؟ هذا السؤال لا يستهدف شخصاً بعينه، بل يكشف حجم الخلل في ادارة الأصول العامة عندما تغيب الملكية المباشرة وتضعف معها آليات المحاسبة.

ويزداد التساؤل مع الافتتاح الذي جرى موخرا تحت رعاية دولة رئيس الوزراء الدكتور جعفر حسان، في وقت لم تكن فيه اعمال التشطيب قد اكتملت بالكامل وما تزال بعض اعمال الاستكمال الفني مستمرة داخل الفندق. هذا التوقيت يفتح نقاشاً اضافياً حول جاهزية المنشأة للتشغيل الكامل، وحول ادارة مراحل المشروع، والفصل بين الاعتبارات التشغيلية والاعتبارات الشكلية والاعلامية ذات الطابع الاستعراضي.

ان اعادة افتتاح الفندق اليوم لا تمحو أثر السنوات الضائعة، ولا تعالج الخسائر المتراكمة، ولا تجيب عن الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالمساءلة. المطلوب ليس الاحتفاء بانجاز متأخر، بل مراجعة منظومة اتخاذ القرار، تحديد مكامن الخلل، وضمان عدم تكرار تجربة عطلت أصلاً عاماً لأكثر من ١٤ عاماً دون مبرر مقنع. حماية اموال الضمان الاجتماعي ليست خياراً ادارياً، بل التزام وطني وأخلاقي وقانوني، وأي اخفاق في ادارتها لا يمس مشروعاً واحداً فقط، بل يمس ثقة المواطنين بدولة القانون وبادارة المال العام، وهي الثقة التي لا تُستعاد بالافتتاحات، بل بالمحاسبة.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير