حين تصبح الحرب معركة بقاء
زياد فرحان المجالي
جو 24 :
ما يجري اليوم بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، لم يعد مجرد مواجهة عسكرية تقليدية. فالحرب، مع اتساعها واستمرارها، بدأت تكشف عن أبعاد أعمق بكثير من الصواريخ والضربات المتبادلة. نحن أمام صراع يختبر معنى البقاء لدى كل طرف.
أميركا ترى في هذه الحرب اختبارًا مباشرًا لهيبتها الدولية. فهي لا تريد فقط الضغط على إيران أو إضعاف قدراتها، بل تريد أيضًا أن تثبت أنها ما تزال القوة القادرة على إدارة الصراع وفرض النتائج. ولذلك فإن أي تعثر أو غياب للحسم سيُقرأ على أنه مؤشر إضافي على تراجع النفوذ الأميركي.
إسرائيل، من جهتها، تنظر إلى المعركة بوصفها مسألة تتعلق بأمنها وصورتها معًا. فهي لا تريد فقط ضرب خصومها، بل تريد أن تحافظ على معادلة الردع، وأن تبقى قادرة على إقناع الداخل والخارج بأنها ما تزال تملك زمام القوة. ولهذا فإن الحرب الطويلة تضعها تحت ضغط مضاعف، لأنها ترفع الكلفة وتفتح أسئلة صعبة حول حدود الردع.
أما إيران، فهي تتعامل مع المواجهة باعتبارها أكثر من مجرد أزمة عسكرية. فإيران ترى نفسها دولة ذات جذور تاريخية عميقة، وتخوض الصراع من منطلق الدفاع عن موقعها ودورها وصورتها أمام شعبها وأمام الإقليم. ولهذا فإنها لا تريد فقط الصمود عسكريًا، بل تريد أن تمنع خصومها من كسرها سياسيًا ورمزيًا.
لهذا يمكن القول إننا أمام ثلاث معارك متداخلة: أميركا تقاتل على الهيبة، وإسرائيل على الوجود، وإيران على التاريخ. وهذا ما يجعل الوصول إلى تسوية سريعة أمرًا صعبًا، لأن المسألة لم تعد مجرد مصالح قابلة للتفاوض، بل تحولت إلى صراع على الصورة والدور والمكانة.
في النهاية، قد لا يكون المنتصر من يملك النار الأكثر، بل من ينجح في الخروج من هذه الحرب من دون أن يفقد تعريفه لنفسه. وهذا هو جوهر المشهد اليوم: حرب لا تدور فقط على الأرض، بل على المعنى أيضًا.
زياد فرحان المجالي








