الضمان بين حماية الصندوق وعدالة الكلفة
جو 24 :
كتب زياد فرحان المجالي -
مقال الأستاذ باسل العكور حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي يثير سؤالًا جوهريًا: هل يكون إنقاذ الضمان الاجتماعي بإصلاح الخلل من جذوره، أم بإلقاء كلفة الأزمة على المواطن مرة أخرى؟
يفتح مقال الأستاذ باسل العكور بابًا واسعًا على واحدة من أكثر القضايا حساسية في الأردن، وهي قضية الضمان الاجتماعي بوصفها ملفًا يمسّ أمن الناس المعيشي وحقوقهم ومستقبلهم، لا مجرد بند مالي أو تشريعي عابر. ومن هذه الزاوية تحديدًا، فإن النقاش الدائر حول التعديلات المقترحة لا ينبغي أن يُختزل في لغة الأرقام وحدها، بل يجب أن يمتد إلى السؤال الأهم: من يدفع كلفة الخلل، ومن يتحمل مسؤولية السياسات التي أوصلت الأمور إلى هذه المرحلة؟
قوة المقال أنه لا يقف عند حدود الاعتراض على تعديل قانوني، بل يذهب إلى أصل المسألة، حين يربط بين الخطاب الحكومي الحالي عن حماية أموال الضمان وبين جملة من السياسات السابقة التي أسهمت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في زيادة الضغوط على الصندوق. فحين يشعر المواطن أن الحكومات نفسها كانت جزءًا من المشكلة، ثم تعود لتطلب منه تحمّل أعباء جديدة تحت عنوان الإنقاذ، فإن أزمة الثقة تصبح حاضرة بقوة، وربما تكون أخطر من الأزمة المالية نفسها.
المواطن الأردني لا يعترض على حماية مؤسسة وطنية كبرى كالضمان الاجتماعي، ولا يرفض الحرص على استدامتها وصون حقوق المتقاعدين والمشتركين فيها، لكنه يريد عدالة واضحة في توزيع الأعباء، ويريد قبل ذلك مصارحة حقيقية تقول له أين يكمن الخلل، وكيف تراكم، ولماذا تبدو المعالجات دائمًا متجهة إلى جيبه أولًا. وهذه ليست لغة شعبوية، بل منطق طبيعي لدى مجتمع تحمل خلال سنوات طويلة ضغوطًا اقتصادية متزايدة، في وقت بقيت فيه الدخول راكدة، بينما ارتفعت كلف المعيشة والخدمات والرسوم والضرائب تباعًا.
الأسئلة التي يطرحها مقال الأستاذ العكور مشروعة تمامًا: هل تكفي التعديلات الجديدة وحدها لضمان مستقبل المؤسسة؟ وهل سيتوقف الاقتراض من أموال الضمان؟ وهل ستتم مراجعة الرواتب العليا والامتيازات وآليات الاستثمار والإنفاق؟ وهل توجد رؤية إصلاحية شاملة تعالج الخلل البنيوي، أم أننا أمام حلقة جديدة من الحلول السهلة التي تؤجل المشكلة بدل أن تحسمها؟
إن جوهر القضية هنا ليس الرفض لمجرد الرفض، بل المطالبة بإصلاح عادل ومتوازن يبدأ من ترشيد الإنفاق، وضبط الإدارة، وتعزيز الشفافية، وتحمل الدولة لمسؤولياتها قبل مطالبة الناس بالمزيد. فالثقة لا تُبنى بالشعارات، بل بالعدالة، ولا تُستعاد بالوعود، بل بخطوات ملموسة يشعر المواطن أنها تنصفه ولا تستسهل تحميله وحده فاتورة كل اختلال.








