وثيقة “الغضب الملحمي”: حين تحوّل واشنطن الخوف من إيران إلى ترخيص لحرب مفتوحة
جو 24 :
كتب- زياد فرحان المجالي
ليست خطورة ما نشره موقع "واللا” الإسرائيلي في كشفه أهداف الحرب الأميركية ضد إيران فحسب، بل في كشفه الطريقة التي تحاول بها واشنطن تحويل الحرب من فعل عسكري إلى رواية قانونية وسياسية وأخلاقية قابلة للتسويق. فالنص، المستند إلى وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الأميركية، لا يتحدث عن ضربة محدودة أو رد عابر، بل عن عملية واسعة تستهدف البحرية الإيرانية، ومنظومة الصواريخ، ومنشآت الإنتاج، والبنية النووية. وهذه ليست لغة دفاع مؤقت، بل لغة تفكيك استراتيجي لقدرة دولة.
المهنية تقتضي الاعتراف أولًا بأن الوثيقة مهمة؛ لأنها لا تترك الأهداف في منطقة الغموض، بل تعلنها بوضوح: منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وتدمير عناصر رئيسية من قوتها العسكرية. لكن التحليل يبدأ من السؤال الأخطر: هل يكفي الخطر المحتمل لتبرير حرب مفتوحة؟ هنا تكمن العقدة. فالشرعية الأميركية لا تقوم على هجوم نووي وقع، ولا على سلاح نووي جاهز، بل على احتمال أن تصل إيران يومًا إلى هذه القدرة. وهذا منطق شديد الخطورة؛ لأنه يحوّل المستقبل المفترض إلى ساحة حرب راهنة.
في القانون والسياسة، هناك فارق جوهري بين الدفاع عن النفس والحرب الوقائية. الدفاع عن النفس يرد على خطر مباشر ووشيك ومحدد. أما الحرب الوقائية فتقوم على تقدير النوايا والقدرات المستقبلية. والوثيقة، كما يعرضها المقال، تميل بوضوح إلى الخيار الثاني. فهي تقول عمليًا إن واشنطن لن تنتظر اكتمال الخطر، بل ستضرب قبل ولادته الكاملة. وقد يبدو هذا مقنعًا في لغة التعبئة، لكنه يفتح بابًا واسعًا لفوضى دولية؛ لأن كل دولة قوية تستطيع عندها أن تضرب خصمها بذريعة أنه قد يشكل تهديدًا لاحقًا.
وتزداد أهمية النص حين يربط العملية بإسرائيل. فالولايات المتحدة تقدم جزءًا من تحركها بوصفه استجابة لطلب إسرائيلي وضمن الدفاع الجماعي عنها. هذه العبارة وحدها تستحق التوقف طويلًا؛ لأنها تكشف أن الحرب ليست أميركية خالصة ولا إسرائيلية خالصة، بل نتاج تداخل قرارين: قوة أميركية عالمية، ورؤية إسرائيلية ترى في أي إيران قوية، نووية أو صاروخية أو بحرية، خطرًا وجوديًا أو استراتيجيًا. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل تدافع واشنطن عن أمنها، أم تعيد تشكيل الإقليم وفق الحاجات الأمنية الإسرائيلية؟
واللافت أن الهدف لا يقف عند الملف النووي. لو كان النووي وحده جوهر الحرب، لبقي النقاش محصورًا بالمنشآت والرقابة واليورانيوم والضمانات. لكن إدخال البحرية الإيرانية، ومنظومة الصواريخ، ومنشآت الإنتاج، يعني أن الهدف أوسع: نزع أدوات الردع الإيرانية، وتجريد طهران من القدرة على الضغط في هرمز، وتقليص قدرتها على تهديد المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة. بهذا المعنى، لم يعد عنوان الحرب "منع القنبلة” فقط، بل "منع إيران من امتلاك أوراق قوة”.
من هنا يظهر مضيق هرمز كقلب المعادلة لا كهامش فيها. حين تتهم واشنطن إيران بإغلاق المضيق بصورة غير قانونية، فهي تجعل أمن الملاحة جزءًا من شرعية الحرب. لكن القراءة المقابلة تقول إن هرمز، بالنسبة إلى طهران، ليس مجرد ممر بحري، بل ورقة سيادة وردع وتفاوض. لذلك فإن استهداف البحرية الإيرانية يعني عمليًا محاولة انتزاع هذه الورقة من يد إيران، لا مجرد حماية ناقلات النفط.
أما الحديث عن فشل الدبلوماسية، فيحتاج إلى تدقيق أكبر. فشل التفاوض لا يمنح الحرب شرعية تلقائية. قد تفشل الدبلوماسية لأن المطالب مستحيلة، أو لأن أحد الأطراف يريد إذعانًا لا تسوية. فإذا كانت واشنطن تريد من إيران التخلي عن النووي والصواريخ والبحرية وهرمز وشبكات النفوذ دفعة واحدة، فنحن لا نتحدث عن اتفاق، بل عن إعادة صياغة موقع إيران الإقليمي بالقوة.
لذلك، تبدو المادة المنشورة في "واللا” مهمة مهنيًا لأنها تكشف مضمون الوثيقة، لكنها لا تذهب بعيدًا في مساءلتها. قوتها في عرض الرواية الأميركية بوضوح، وضعفها في أنها لا تحاكم هذه الرواية بما يكفي. فالوثيقة لا تشرح الحرب فقط، بل تشرعن استمرارها. ولا تبرر ضربة واحدة، بل تؤسس لعقيدة كاملة: اضرب قبل اكتمال الخطر، وسّع مفهوم الدفاع عن النفس، اجعل أمن إسرائيل جزءًا من الأمن الأميركي، وحوّل البحر والنووي والصواريخ إلى ملف واحد.
الخلاصة أن "الغضب الملحمي” ليس مجرد اسم عملية، بل عنوان لمرحلة جديدة: مرحلة يصبح فيها الخوف من إيران مبررًا لإعادة هندستها بالقوة. وهنا تكمن الخطورة الكبرى؛ لأن العالم إذا قبل هذا المنطق، فلن تبقى الحروب استثناءً، بل ستتحول إلى أداة دائمة لإدارة المخاوف قبل وقوعها.







