jo24_banner
jo24_banner

إذا فشلت الحرب التقليدية… هل يقترب الغرب من كسر المحرَّم النووي ضد إيران؟

إذا فشلت الحرب التقليدية… هل يقترب الغرب من كسر المحرَّم النووي ضد إيران؟
جو 24 :


كتب زياد فرحان المجالي - 

في الحروب الكبرى، لا تبدأ الأسئلة الأخطر مع أول صاروخ، بل مع اللحظة التي تكتشف فيها القوة العسكرية أن فائض النار لا ينتج بالضرورة نهاية سياسية سريعة. عند تلك النقطة، لا يعود السؤال محصورًا بما جرى في الميدان، بل بما يمكن أن يطرأ حين يعجز التفوق عن فرض الحسم. ومن هنا يبرز السؤال الأشد حساسية: إذا فشلت الحرب التقليدية التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران في إنتاج النتيجة المطلوبة، فهل يبقى المحرَّم النووي ثابتًا، أم يدخل هو أيضًا دائرة التفكير؟

هذا السؤال لا يعني أن هناك قرارًا معلنًا باستخدام السلاح النووي، ولا أن الوقائع المتاحة تشير إلى خطة جاهزة من هذا النوع. لكنه سؤال تحليلي مشروع، لأن الحروب حين تطول، وتتعثر أهدافها، ويتصاعد خطاب التدمير، تبدأ العقول الاستراتيجية في الاقتراب من المناطق التي كانت قبل أسابيع فقط تبدو مستحيلة أو غير قابلة حتى للنقاش.

المشكلة أن الحرب الحالية لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة. فمضيق هرمز ما يزال عقدة استراتيجية مفتوحة، وأسواق الطاقة مرتبكة، والضغوط على الإدارة الأميركية تتزايد، بينما لا يظهر حتى الآن أفق سياسي واضح لإنهاء الحرب. وكلما امتد الزمن، ارتفعت كلفة الحرب على الجميع، لكن الأخطر أن يرتفع معها أيضًا سقف التفكير في "الخيارات الأخيرة”.

وفي هذا السياق، لا تبدو نفسية دونالد ترامب بعيدة عن جوهر المسألة. فالرجل يحب صورة الحسم، ويحرص دائمًا على الظهور بمظهر القائد الذي يفعل ما لا يفعله الآخرون. لكنه في الوقت نفسه يواجه واقعًا أكثر تعقيدًا: حرب لم تُنهِ خصمها سريعًا، وأسواقًا حساسة، ورأيًا عامًا لا يريد التورط في نزاع مفتوح بلا نهاية. هذا التناقض بين الرغبة في استعراض القوة والحاجة إلى مخرج سياسي يجعل خطابه أكثر توترًا، وأكثر ميلًا إلى رفع سقف التهديد.

وهنا تحديدًا تكتسب عباراته معناها الأخطر. فعندما يُطرح علنًا تعبير مثل "إعادة إيران إلى العصر الحجري”، فإن ذلك لا يُقرأ فقط كعبارة حربية نارية، بل كمؤشر إلى ذهنية ترى أن تدمير البنية المدنية والاقتصادية قد يكون أداة مشروعة للإخضاع. ومن هنا، لا يصبح السؤال ماذا قال؟ بل إلى أي مدى يمكن أن تذهب الحسابات الفعلية إذا فشلت الأدوات التقليدية في إنتاج الحسم.

لكن بين التهديد اللفظي وقرار الاستخدام النووي مسافة هائلة. فالانتقال إلى النووي لا يعني فقط تصعيدًا أكبر، بل يعني كسر واحد من أخطر المحرّمات في النظام الدولي. وهو قرار لا يضرب إيران وحدها، بل يضرب شرعية المنطق الذي تقول واشنطن إنها تتحرك باسمه أصلًا، أي منع الانتشار النووي. فكيف يمكن لحرب تُخاض تحت شعار منع النووي أن تنتهي، نظريًا، بالتفكير في استخدامه؟

ثم إن المقارنة مع هيروشيما وناغازاكي، رغم حضورها في الخيال السياسي، ليست مقارنة سهلة. العالم الذي سمح بذلك عام 1945 ليس هو عالم اليوم. اليوم هناك ردع متبادل، وإعلام كوني، وتشابك اقتصادي، ومحرّم نووي ترسخ عبر عقود. ولهذا فإن أي استخدام نووي لن يكون فقط قرارًا عسكريًا، بل زلزالًا سياسيًا وأخلاقيًا واستراتيجيًا يعيد تعريف النظام العالمي كله.

أما إسرائيل، فرغم ما يُنسب إليها من تفوق استخباري وعملياتي، فإن القيمة الردعية لما يُعتقد أنه ترسانتها النووية قامت تاريخيًا على الغموض لا على الاستخدام. وأي انتقال من الغموض إلى الفعل سيعني انتقالًا من الردع الصامت إلى كسر المحرَّم، بكل ما يترتب عليه من عزلة واضطراب وتداعيات على المنطقة بأسرها.

لذلك، يبقى الأرجح حتى الآن أن يظل الخيار النووي في دائرة الردع المتخيَّل لا الاستخدام المعلن. لكن مجرد وصول النقاش إلى هذا السؤال يكشف أن الحرب تجاوزت حدودها التقليدية، وأن الخطر لم يعد فقط في الصواريخ التي تُطلق، بل في السقف الذهني الذي قد تفتحه الحروب الطويلة حين تعجز عن تحقيق ما وعدت به. وهنا تحديدًا يصبح السؤال عن حدود الجنون واجبًا تحليليًا، لا ترفًا فكريًا.

كلمات دلالية :

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير