عمّان ليست مدينة. هذه أول حقيقة يجب أن تُقال بصدق. إنها كائنٌ متعب، يحمل ذاكرة آلاف السنين فوق كتفيه، ثم يُطلب منه كل صباح أن يبتسم للسياح، وأن يبدو حديثًا، وأن يتظاهر بأنه بخير.

هذه المدينة التي تبدأ من عين غزال، من آثار الإنسان الأول، من تماثيل الطين التي تعود إلى الألف السابع قبل الميلاد، ليست مجرد عاصمة سياسية لدولة حديثة، بل طبقات هائلة من التاريخ المتراكم فوق بعضها البعض؛ العمونيون، والرومان، والبيزنطيون، والأمويون، والعثمانيون، ثم الدولة الحديثة التي حاولت أن تجعل من التلال القديمة مدينةً تشبه العواصم المعاصرة.

كانت تُسمى "ربّة عمون"، ثم "فيلادلفيا"، ثم عادت إلى اسمها الشرقي القديم: عمّان. وكأن التاريخ كله كان يحاول أن يختبر هذه المدينة: هل تستطيع أن تنجو من تبدل الأسماء دون أن تفقد روحها؟

لكن السؤال الأكثر قسوة اليوم ليس: من بنى عمّان؟ بل: من شوّهها؟

لقد كانت عمّان مدينة تُبنى ببطء، مثل قصيدة. أما اليوم، فهي تُدار كصفقة.

في الماضي، كانت المدينة تنمو وفق حاجة الناس. أما الآن، فالناس يُجبرون على التأقلم مع نموٍ لا يشبههم. الجسور ترتفع، الأبراج تتكاثر، الإسمنت يبتلع الجبال، لكن الإنسان العمّاني نفسه يضيق أكثر فأكثر. كأن التطور العمراني أصبح عملية تجميل لوجهٍ يخفي تعبًا اجتماعيًا واقتصاديًا عميقًا.

إن أكثر ما يؤلم في عمّان ليس الازدحام… بل الفلسفة التي تقف خلف الازدحام.

فالمدينة التي كانت مبنية على سبعة جبال، وعلى فكرة الجيرة والبساطة، تحولت تدريجيًا إلى مدينة تُدار بمنطق السوق لا بمنطق الإنسان. كل شيء أصبح مشروعًا استثماريًا: الشارع، الرصيف، الجبل، حتى الهواء نفسه. وكأن من يدير المدينة يرى المواطن مجرد رقم في معادلة اقتصادية، لا روحًا تحتاج إلى مساحة وعدالة وجمال.

لقد فشلت الإدارات المتعاقبة في أن تفهم أن المدن ليست إسمنتًا فقط. المدينة الحقيقية تُقاس بقدرتها على خلق إنسان يشعر بأنه مرئي، مسموع، ومحترم.

لكن ماذا حدث في عمّان؟

شرق المدينة تُرك ليحمل ضغط الفقر والازدحام والخدمات المتعبة، بينما صُنعت في الغرب صورة أخرى لعمان مختلفة تمامًا؛ مقاهٍ حديثة، أبراج زجاجية، ومشهد يوحي بأن المدينة بخير. وهكذا تحولت عمّان إلى مدينتين داخل مدينة واحدة: مدينة تعيش، وأخرى تكافح كي تبقى فقط.

وهذا الانقسام ليس جغرافيًا فحسب، بل أخلاقي أيضًا.

فالمدينة التي كانت تجمع الناس، أصبحت تفرزهم طبقيًا بصمت قاسٍ. حتى اللغة اليومية تغيّرت؛ صار اسم الحي يحدد قيمة الإنسان الاجتماعية، وكأن عمّان لم تعد تسأل: "من أنت؟" بل "أين تسكن؟". وهنا تكمن الكارثة الفكرية الحقيقية. لأن المدينة حين تفقد العدالة الرمزية، تبدأ بفقدان روحها بالتدريج.

إن من يدير عمّان يتحدث كثيرًا عن "التطوير”، لكنه نادرًا ما يتحدث عن الإنسان. تُصرف الملايين على مشاريع استعراضية، بينما الأرصفة المكسرة، والمواصلات المرتبكة، والمساحات العامة الفقيرة، تكشف أن هناك خللًا في فهم معنى المدينة أصلًا.
فالمدن العظيمة لا تُقاس بعدد المولات والجسور. باريس ليست عظيمة بسبب الإسمنت، وروما ليست خالدة بسبب الطرق فقط، بل لأن الإنسان فيها يشعر أن المدينة خُلقت له، لا ضده. أما في عمّان، فكثير من الناس يعيشون شعورًا خفيًا بأن المدينة تستهلكهم ببطء. الوقت يُسرق في الشوارع. الأعصاب تُستهلك في الزحام.

الطبقة الوسطى تتآكل بصمت. والشباب يحملون شعورًا مريرًا بأن المدينة لم تعد تمنحهم فرصة حقيقية للحلم.

ولعل أكثر ما يدعو للأسى أن عمّان تمتلك كل المقومات التي تجعلها من أجمل مدن الشرق؛ تاريخ يمتد لآلاف السنين، تضاريس ساحرة، شتاء يحمل حنينًا خاصًا، وموقع يجعلها قلب المنطقة. لكن الإدارة القصيرة النظر حولت كثيرًا من الجمال إلى فوضى بصرية وروحية. الهوية المعمارية ضاعت بين التقليد الأعمى للحداثة وبين العشوائية. الأشجار اختفت أمام الإسمنت. والمدينة التي كانت تُرى من بعيد كلوحة بيضاء فوق الجبال، بدأت تفقد لونها ومعناها معًا.

ومع ذلك… تبقى عمّان مدينة يصعب كرهها. وهنا تكمن المفارقة الفلسفية العجيبة. إنها مدينة تُتعبك، لكنك تشتاق إليها. تغضبك، لكنك تدافع عنها. تجعلك تختنق، ثم تمنحك فجأة لحظة دفء صغيرة في شارع قديم، أو في صباح شتوي، أو في صوت بائع قهوة يقف على الرصيف كأنه جزء من ذاكرة المكان.

ربما لأن عمّان تشبه الإنسان العربي نفسه؛ مرهق، محاصر، متناقض، لكنه ما يزال يحاول أن يحتفظ ببعض الكرامة وسط عالم يزداد قسوة.

وعمّان، رغم كل النقد، ليست مدينة ميتة. المدن تموت حين تفقد قدرتها على الحلم، وعمّان ما تزال تحلم، حتى لو كان حلمها متعبًا. لكن الحلم وحده لا يكفي. فالمدينة تحتاج إلى من يديرها بعقل الفيلسوف لا بعقل المقاول، بعين ترى الإنسان قبل المشروع، والهوية قبل الاستثمار، والعدالة قبل الصورة الإعلامية.

لأن المدن التي تُبنى بلا روح… تتحول مع الوقت إلى مجرد كتل إسمنتية ضخمة يعيش الناس داخلها كغرباء. ولهذا، حين نقول:
"عمّان العاصمة… وما أدراك ما هي عمّان"، فنحن لا نتحدث عن عاصمة سياسية فقط، بل عن سؤال عربي كامل: كيف يمكن لمدينةٍ تحمل كل هذا التاريخ… أن تخسر إنسانها المعاصر؟

كابتن أسامة شقمان