يشير التصعيد الدبلوماسي والإعلامي المتسارع حول المفاوضات الأمريكية–الإيرانية إلى أن المنطقة تقف أمام لحظة إعادة تشكيل استراتيجية للتوازنات الإقليمية، لا مجرد جولة تفاوض تقليدية حول البرنامج النووي الإيراني، فالمعطيات الواردة في تقرير لموقع I24 new الإسرائيلية تكشف أن ما يجري يتجاوز الملف النووي بوصفه قضية تقنية تتعلق بالتخصيب والرقابة الدولية، إلى محاولة شاملة لإعادة هندسة المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط، بما يشمل خرائط النفوذ، وشبكات التحالف، ومستقبل الصراعات الممتدة من الخليج إلى لبنان.
اللافت في هذه التطورات هو التناقض الظاهر بين الخطاب المعلن والأهداف الفعلية للأطراف المعنية، ففي الوقت الذي تصر فيه طهران على أن المفاوضات "لا تتعلق بالملف النووي" وتربطها بمسألة إنهاء الحرب، تبدو الولايات المتحدة وكأنها تسعى إلى إنتاج اتفاق هجين يجمع بين التهدئة الأمنية، وضبط السلوك الإقليمي الإيراني، ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد تهدد الاقتصاد العالمي وممرات الطاقة، خصوصاً في مضيق هرمز، وهذا يفسر حالة الغموض المقصودة التي تكتنف التصريحات الأمريكية والإيرانية معاً، حيث يتم إبقاء جوهر التفاهمات بعيداً عن الرأي العام إلى حين ضمان الحد الأدنى من التوافق السياسي والأمني.
في المقابل تبدو إسرائيل الطرف الأكثر قلقاً من المسار الجاري، فالتسريبات التي تحدثت عن اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بتراجع قدرة تل أبيب على التأثير في قرارات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه إيران، تحمل دلالات سياسية عميقة تتجاوز مجرد اختلاف تكتيكي بين حليفين، بل تعكس تحوّلاً تدريجياً في طبيعة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية، حيث باتت واشنطن تتعامل مع أولوياتها الاستراتيجية بمعزل نسبي عن الرؤية الإسرائيلية التقليدية التي قامت لعقود على مبدأ الضغط الأقصى والعزل الكامل لإيران.
وهذا التحول لا يعني تراجع التحالف الأمريكي–الإسرائيلي، لكنه يكشف أن الإدارة الأمريكية باتت ترى أن إدارة الصراع مع إيران قد تكون أقل كلفة من الانخراط في حرب إقليمية مفتوحة، خصوصاً في ظل الإرهاق الاستراتيجي الأمريكي بعد سنوات طويلة من الحروب والتوترات في الشرق الأوسط، ومن هنا يمكن فهم التوتر الإسرائيلي المتصاعد، والاستنفار الأمني والعسكري المترافق مع تصعيد الجبهة اللبنانية، وكأن تل أبيب تحاول تذكير واشنطن بأن أي تسوية مع طهران لن تُنتج استقراراً حقيقياً ما دامت أذرع إيران الإقليمية قادرة على تهديد الأمن الإسرائيلي.
ومن زاوية أخرى، تكشف التحركات الإيرانية المرتبطة بالأصول المجمدة ونقل اليورانيوم المخصب إلى الصين عن واقعية سياسية متزايدة داخل النظام الإيراني، وتبدو مستعدة لتقديم تنازلات محسوبة مقابل ضمانات اقتصادية ومالية تتيح لها استعادة جزء من قدرتها الاقتصادية دون الظهور بمظهر المتراجع سيادياً، لذلك تصر طهران على الفصل بين الإفراج عن الأموال المجمدة وبين الملف النووي. أما الصين، التي يبرز اسمها في سياق الحديث، فهي تظهر كفاعل دولي لتوسيع نفوذه في ملفات الشرق الأوسط الحساسة، فدخول بكين على خط التفاهمات النووية لا يقتصر على الجوانب التقنية، بل يعكس مساعيها لترسيخ نفسها كضامن دولي بديل أو موازٍ للنفوذ الأمريكي، مستفيدة من تراجع الثقة الإقليمية بالسياسات الغربية التقليدية.
وفي السياق ذاته، تبدو الدعوة التي أطلقها ترامب لانضمام عدة دول عربية بجانب باكستان وتركيا إلى "اتفاقيات أبراهام" جزءاً من محاولة أمريكية لإعادة بناء منظومة إقليمية جديدة تربط بين التهدئة مع إيران والتطبيع مع الإسرائيلي، فواشنطن تدرك أن أي اتفاق مع طهران لن يكون قابلاً للاستمرار ما لم يترافق مع إعادة ترتيب البيئة الإقليمية المحيطة بإسرائيل، وتحويل التحالفات القائمة من تحالفات ظرفية إلى بنية استراتيجية أوسع تشمل الأمن والطاقة والاقتصاد.
وبحسب التقرير فإنه اقتصادياً حملت تراجعات أسعار النفط رسالة واضحة عن طبيعة المزاج الدولي تجاه المفاوضات، فالأسواق تتعامل مع احتمال التوصل إلى اتفاق أمريكي–إيراني باعتباره عاملاً يخفف احتمالات الحرب ويقلل مخاطر تعطّل الإمدادات النفطية، لكن هذا التفاؤل يبقى هشاً لأي انهيار مفاجئ للمحادثات، قد يدفعه نحو تصعيد عسكري واسع، خاصة مع استمرار التوتر في جنوب لبنان وتصاعد نشاط الطائرات المسيّرة.
وبناءً على ذلك، فإن ما يجري اليوم ليس مجرد مفاوضات حول برنامج نووي أو عقوبات اقتصادية، بل صراع مفتوح على شكل الشرق الأوسط القادم، فإما أن تنجح القوى الدولية والإقليمية في إنتاج نموذج جديد يقوم على إدارة التوازنات والتفاهمات المرحلية، وإما أن يؤدي فشل هذه المسارات إلى انفجار إقليمي واسع يعيد المنطقة إلى دوامة الحروب المفتوحة وعدم الاستقرار.