ليس في السياسة شيء اسمه "صداقة أبدية"، بل مصالح متقاطعة قد تلتقي حينًا وتتصادم حينًا آخر. وما نشهده اليوم من تداعيات لتوقيع مذكّرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، خير دليل على أنَّ الفجوةَ بين واشنطن وتل أبيب آخذة في الاتّساع، بما يحمل تداعيات استراتيجية قد تعيد تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط.

فالمذكّرة التي وقّعها الطرفان إلكترونيًا، على أن تُقام مراسم التوقيع الرسميّة في جنيف، لم تكن مُجرّد ورقةٍ ديبلوماسيّةٍ عابرة، بل كشفت عن هزّةٍ عنيفة في العلاقة بين الحليفين التقليديين. فإسرائيل، التي خاضت حربًا ضدّ إيران استمرت أكثر من مئة يوم، وجدت نفسها خارج دائرة القرار الأساسيّة، بل وخارج دائرة الاطّلاع على تفاصيل الاتفاق. فالمطلوب الإسرائيليّ للاطّلاع على نصّ المذكّرة قوبل بالرفض الأميركي، في خطوةٍ وُصفت بأنّها "نادرة" و"غير مسبوقة" بين حليفين بهذا المستوى من التقارب.

هُنا، يبرُز سؤال: ما سرّ هذا التباعُد المفاجئ..؟! الجواب يكمن في تصادم المصالح. فمن جهة، يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى إنهاء الحرب، وإعادة فتح مضيق هرمز، وخفض أسعار النفط، وتحقيق مكاسب ديبلوماسيّة تخدمه في الانتخابات النصفيّة المُقبلة. ومن جهة أخرى، يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في استمرار التوتّر العسكري ضرورة استراتيجية للقضاء على القدرات النوويّة الإيرانية وتفكيك شبكة وكلاء إيران في المنطقة، فضلًا عن اعتباراتٍ انتخابيّة داخليّة. وهذا التناقُض في الأولويات هو جوهر الأزمة.

ولم تقتصر مظاهر الخلاف على رفض مُشاركة النص، بل تعدّتها إلى مواجهاتٍ علنيّة. ففي قمّة مجموعة السبع، انتقد ترامب نتنياهو علنًا، قائلًا إنّه "ليس من الضروري تدمير مبنى بأكمله لمُطاردة عنصر من حزب الله"، متّهمًا إيّاه بعدم "التحلّي بالمسؤولية" في التعامل مع الملف اللبناني. وبحسب دبلوماسيين إسرائيليين، فإنّ غضب ترامب لم يكن تمثيليًّا، بل "نابعًا من خيبة أملٍ حقيقيّة" بعدما شعر أنَّ نتنياهو أقنعه بخوض حرب على أُسسٍ غير دقيقة.

أمّا إسرائيل، فلم تقف مكتوفة الأيدي. فوزير الأمن القومي الإسرائيلي أعلن صراحة أنَّ المذكّرة "غير ملزمة" لإسرائيل، فيما أكّدَ نتنياهو أنّهُ "ليس متفقًا مع ترامب في كل شيء" وأنّهُ "مسؤول عن أمن إسرائيل بشكل كامل". كما تواصل إسرائيل عملياتها العسكرية في جنوب لبنان، في تحدٍّ واضح للروح التي تسعى المذكّرة إلى ترسيخها.

لكن السؤال الأعمق: هل هذه مُجرد خلافاتٍ عابرة، أم أنها تعكس تحولًا استراتيجيًا في العلاقة الأميركية - الإسرائيلية..؟! يرى مراقبون أنَّ الخلافات الحالية تعكس "تباعدًا في المصالح الاستراتيجية" أكثر منها خلافًا عابرًا. فإدارة ترامب تبدو أكثر انشغالًا بمصالحها الاقتصادية والداخلية، بينما تواصل إسرائيل التمسك برؤيتها الأمنية الضيقة. وهذا التباين قد يتحوّل إلى سمة دائمة في العلاقة، خاصة مع اقتراب موعد إعادة التفاوض على مذكّرة التفاهم الأمنية بين البلدين، والتي تنتهي في 2028.

وفي المحصّلة، يبقى السؤال المطروح: هل تستطيع واشنطن احتواء غضب تل أبيب..؟! أم أنَّ استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية قد يدفع طهران إلى الانسحاب من المًفاوضات، وإفشال المذكّرة برمّتها..؟! الأكيد أنَّ ما نراه اليوم ليس مُجرد خلافٍ عابر، بل مؤشِّر على أنَّ التحالف الأميركي - الإسرائيلي يدخل مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: تباعُد المصالح، واتّساع الفجوة.