الالـمـــانــي!

ماهر أبو طير
سامح الله الالماني ،لان غباء الالماني،ومعه ايضا سذاجة الياباني،جعلتهما يعتقدان ان اختراع السيارة مكتمل،وغير قابل للتعديل في العالم العربي،واذ ترى طريقة القيادة،تكتشف اننا استبدلنا لغة الصم والبكم،في الشارع،بكل ما في السيارات من مزايا.
يمد يده فجأة من ميمنة السيارة،ليقول لمن خلف انه يريد الذهاب يمينا، وفي حالات يستعين بمن الى جانبه، ليمد يده اليسرى ليوصل ذات الرسالة، وقد نشهد بعد قليل اخراجا للقدم اليمنى عبر النافذة، للقول مثلا ان السيارة ستتوقف فجأة.

الالماني والياباني، اخترعا غماز السيارة، باعتباره زينة هنا، يتم توظيفها في الجاهات والاحتفالات، فقط لاغير، وهي زينة تضاف الى حبال الاضاءة الرومانسية التي يتم تزيين السيارة بها، من الامام والخلف، وكأن السائق في حانة رخيصة.

مرآة السيارة ايضا من اخطاء الالمان واليابانيين، والعربي قادر على السياقة دون مرآة، لانه فجأة يترك مقود السيارة، ويلف رأسه الى الخلف مستكشفا الوضع حتى يتحرك، وفي حالات يمد رأسه من النافذة لاستطلاع ميمنته، وللتحرك الآمن من موقعه، وهكذا يرتكب الالماني والياباني خطأ اضافيا، بإرسال سيارات الى العالم العربي مزودة بمرآة، لا داع لها اساسا.

العربي يقود السيارة، وكأنه يمتطي حصانا، وكأنه وسط الصحراء، يريد ان ينطلق، لامسارب، ولاغمازات، ولامرآة ولا قانون، وكل جلد الشرطة لسائقي السيارات، لايؤدي الى تغيير انماط القيادة، بضع لعنات على من حرّر المخالفة، وتعود حليمة الى عادتها القديمة.

تخرج الى الشارع، وتنضم الى الاف السيارات في اي عاصمة عربية، وكأنك وسط سباق للهجن، الكل يميل على الكل، كتل حديدية، تتمايل على بعضها البعض، فإذا وقع حادث، لم يقبلوا وقوعه باعتباره دليلا على الخطأ، بل حملوا اثما فوق الحادث بأن قالوا ما شاء الله قدّر وفعل، او ان هذا قضاء وقدر، وفي حالات هذه ارادة الله، فيدخلون الله عز وجل شريكا في حوادثهم وسياراتهم وافعالهم.

السياقة في اغلب الدول العربية مخيفة، وذات مرة على طريق جدة ونحن متوجهين الى مكة، امضينا الطريق ونحن نقنع السائق، ان ينزل قدمه اليسرى عن تابلو السيارة، وان يتنبه الى سرعته الجنونية، فلم يرد، برغم كل الكلام عن اننا نريد ان نؤدي العمرة، لا ان نموت مجانا، ومحمد عبده يصدح طول الطريق، بدلا من التسبيح والاستغفار والتلبية، باعتبار ان صوته يخفف من مشقة السفر.

في القاهرة، وفي سيارة تاكسي، ووسط ازمات المدينة، كان لافتا للانتباه ان سائق التاكسي استبدل يد «الغير» او مبدل السرعة، بمفك انجليزي، يقوم بشبكه مكان يد «الغير» عند كل حركة، فتترحم على عبقرية الالمان، وغيرهم من شعوب اخترعت السيارات، باعتبار ان الحاجة ام الاختراع، ولا ذكاء مع ذكاء العربي، الذي نراه يتدفق كل لحظة وحين.

سائق السيارة في العالم العربي، من الطبيعي جدا، ان يفتح نافذة سيارته ويلقي بكأس القهوة في الشارع، فيطير الكأس ببقايا القهوة على من خلفه، وحين يرى الذي فعله، يزيد من سرعته لان الاعتذار صعب هنا، ولانه يعترف ان سيارته حاوية متنقلة في الهواء الطلق.

السياقة هنا بحاجة الى قدرات استثنائية، تعتمد على الاستبصار والتنبؤ، وعليك ان ُتشغل كل ذهنك وحواسك، لتتوقع ما الذي سيفعله من هو امامك، اذ قد يعطيك غمازا الى اليمين، ويقرر في اللحظة الاخيرة، الالتفاف الى اليسار، وفي حالات اخرى، عليك ان تتواصل مع السائق الاخر عبر قدرات روحانية لتقرأ افكاره، ولتعرف ما الذي يفكر فيه، فكل مزايا السيارة معطلة، وعليك ان تدبر نفسك؟!.

كلما نعود الى بيوتنا، نتشهد، فقد نجونا، من يوم صعب في الشوارع.

mtair@addustour.com.jo


(الدستور)
تابعو الأردن 24 على