من الذي خسر العراق؟
د. حسن البراري
جو 24 : لا يبدو أن تنظيم داعش راض بمكتسباته الاخيرة التي جاءت على شكل سلسلة من المعارك الخاطفة (Blitzkrieg) في محافظات الانبار ونينوى وصلاح الدين، وهو بصدد الاستعداد للهجوم على بغداد نفسها، ولن يمنعه عن ذلك الا حدوث تدخلات خارجية أو انتكاسة ميدانية. وما من شك أن الأيام القادمة ستحدد مستقبل العراق على المديين المتوسط والبعيد.
ربما من المبكر القول أن الجيش العراقي الذي تلقى صدمة كبيرة قد انهار، غير أن ما جرى يؤكد مرة أخرى على أن الفشل في العراق هو سياسي بالدرجة الأولى، وهو ما سمح أولا بخلق شروط الاغتراب لمكون هام في العراق وأيضا اخذ الصراع باتجاه الصراع الهوياتي الطائفي. فتنظيم داعش الذي يقوده ابو بكر البغدادي يعود الى أبي مصعب الزرقاوي الذي دخل العراق في عام ٢٠٠١ قادما من حيرات في افغانستان وانضم الى انصار الاسلام (تنظيم مسلح كردي انفصالي) إذ كان يقود مجموعة من المقاتلين العرب. وبعد ذلك شكل تنظيم التوحيد والجهاد الذي استغل سقوط نظام صدام حسين ليبدأ باستهداف الشيعة في العراق، ولم يبايع الزرقاوي زعيم القاعدة أسامه بن لادن الا بعد الاحتلال الاميركي للعراق. غير ان الزرقاوي اتبع استراتيجية تختلف عن القاعدة، ففي وقت كان يركز اسامة بن لادن على عولمة الجهاد لاستهداف العدو البعيد (الغرب) كان الزرقاوي يستهدف شيعة العراق. وقد كانت في العراق بيئة خصبة لعمل الزرقاوي وبخاصة بعد أن ارتكبت الولايات المتحدة خطأين هما اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي.
والحقيقة أن اسامة بن لادن كان متوجسا من الزرقاوي واستراتيجيته في العمل في العراق التي كان يرى بأنها ستقوض من مكانة القاعدة في الاقليم. وبعد مقتل الزرقاوي في عام ٢٠٠٦ حل مكانه أبو ايوب المصري (وهو مصري وخبير متفجرات) وأسس الدولة الاسلامية في العراق وركز على البعد المحلي لرفع شعبيتها داخل العراق.
مقتل الزرقاوي وظهور الصحوات العشائرية أدى إلى الحاق هزيمة بالقاعدة في العراق وكانت هناك فرصة ذهبية لحكام العراق البدء في عملية مصالحة وطنية تستند إلى الشراكة بدلا من الاقصاء، غير أن البعد الطائفي بقي مسيطرا على البينة الذهنية للحكام الشيعة على وجه الخصوص. فهزيمة القاعدة في العراق في عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨ لم تفض الى مصالحة سياسية وتوافقات وطنية كانت ستصلح كصمام للامان. وما من شك ان بقاء القوات الاميركية هو من جعل عودة القاعدة أمرا شبه مستحيل في تلك الفترة، وقد ارتكبت الولايات المتحدة خطأ آخر عندما سمحت للمالكي الذي وقع تحت تأثير طهران بأن يستمر في سياسات اقصائية وتأجيجية كانت كفيلة بعودة التنظيمات الراديكالية في أي وقت، وبالفعل عندما انسحبت القوات الاميركية على اثر توقيع اتفاقية امنية بين العراق والولايات المتحدة بدأت التنظيمات المتطرفة بالعودة شيئا فشيئا الى أن تشكلت داعش ابان الثورة السورية. طبعا داعش ترتبط ايدولوجيا بافكار الزرقاوي المتشددة، وقد تبنت نهجا دفع زعيم القاعدة ايمن الظواهري الى انتقادها والتخلي عنها، وفي ضوء كل ذلك، يمكن القول أن اجندات داعش هي طائفية بامتياز وستعمل على استهداف شيعة العراق مما يعني أن العراق قد تنزلق الى حرب أهلية وتتحول الى ساحة لحروب الوكالة لأطراف اقليمية تتصارع على هوية الاقليم وشكله للعقد القادم.
من الذي خسر العراق؟ هذا هو سؤال وجهه فريد زكريا في مقال له نشر الخميس في الواشنطن بوست. يقول فريد زكريا أن المالكي هو الخاسر الاول لأنه هو وحزبه تصرفا وكأنهما عصابة بحيث قاما باقصاء السنة العرب ووظفا الجيش وقوات الأمن لترهيب خصومهما، وهذا سيناريو تكرر قبل ذلك ولم تنجح العراق في لجم المعارضة المسلحة والقاعدة الا عن طريق الصحوات العراقية وخطة ديفيد بترايوس التي استندت إلى رفع اعداد الجنود لمحاربة القاعدة.
لكن السبب الرئيس في كل ما جرى هو سياسة الولايات المتحدة التي استندت الى ضرورة تمكين الشيعة عندما دخلت العراق دون اعداد وكانت تبحث عن حلفاء محليين. وعلاوة على ذلك رفض المالكي بأمر من طهران توقيع اتفاقية امنية تسمح ببقاء جزء من القوات الاميركية التي لو بقيت لربما لأمكن انقاذ الموقف، وهكذا فاوضت ادارة اوباما المالكي واستغلت ايران استعجال اوباما على الرحيل من العراق بالضغط على المالكي لرفض مطالب اوباما.
الآن فجأة، ينتبه الاميركان إلى أخطائهم الكثيرة في العراق، وفي الوقت الذي يؤكد فيه البنتاغون أن الولايات المتحدة لن تسمح لداعش بالانتصار، لا تملك من اوراق التاثير سوى توظيف قوتها العسكرية. فالحل العسكري والأمني لن ينجح على المديين المتوسط والطويل. وفي هذا السياق يقدم كيناث بولاك من معهد بروكينغز في مقال له نشر في صحيفة الوول ستريت جورنال عددا من المقترحات التي من شأنها على حد تعبيره ان تخلق نظاما سياسيا يمكن له ان يتصدى للتحديات والتهديدات. وهو على سبيل المثال يقترح القيام بتعديلات دستورية بحيث يكون الحد الاعلى لتولي منصبي رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة فترتين. كما ويقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون فيها وزير الدفاع من الاكراد ووزير الداخلية من العرب السنة، كما يقترح ان تكون ملفات الامن والخارجية تحت سيطرة رئيس الدولة في حين تبقى ملفات الشؤون الداخلية والاقتصادية تحت سيطرة رئيس الحكومة.
لكن هذه الافكار على وجاهتها غير قابلة للتطبيق نظرا لغياب التأثير الاميركي بعد انسحاب القوات من العراق ونظرا لطبيعة السياسة العراقية الحالية. ويرى ماكس بوت احد اهم استراتيجي الحزب الجمهوري أن على الولايات المتحدة ان تمارس ضغطا كبيرا على العراق للدفع باتجاه تشكيل حكومة من دون المالكي قبل أن تقدم مساعدة عسكرية لهم. فبرأي ماكس بوت فإن المالكي يدير عملية تفكك العراق وهو بالتالي لا يستحق ولاية ثالثة. واخطر ما في الأمر، هو ان لم يتمكن الرئيس أوباما من التدخل بشكل يضمن سلامة اراض العراق وقام المالكي بطلب المساعدة من ايران، عندها ستدخل ايران على خط المعركة مما يفتح باب التكهنات على مصراعيه، فكيف يسمح لايران التدخل في دولة عربية ضد مكون عراقي سني؟ لهذا نقول أن الجميع خسر العراق، وعلى الدول المجاورة البدء باعداد خطة طواريء للتعامل مع عواقب سيناريو الانهيار في حال تحققه.
ربما من المبكر القول أن الجيش العراقي الذي تلقى صدمة كبيرة قد انهار، غير أن ما جرى يؤكد مرة أخرى على أن الفشل في العراق هو سياسي بالدرجة الأولى، وهو ما سمح أولا بخلق شروط الاغتراب لمكون هام في العراق وأيضا اخذ الصراع باتجاه الصراع الهوياتي الطائفي. فتنظيم داعش الذي يقوده ابو بكر البغدادي يعود الى أبي مصعب الزرقاوي الذي دخل العراق في عام ٢٠٠١ قادما من حيرات في افغانستان وانضم الى انصار الاسلام (تنظيم مسلح كردي انفصالي) إذ كان يقود مجموعة من المقاتلين العرب. وبعد ذلك شكل تنظيم التوحيد والجهاد الذي استغل سقوط نظام صدام حسين ليبدأ باستهداف الشيعة في العراق، ولم يبايع الزرقاوي زعيم القاعدة أسامه بن لادن الا بعد الاحتلال الاميركي للعراق. غير ان الزرقاوي اتبع استراتيجية تختلف عن القاعدة، ففي وقت كان يركز اسامة بن لادن على عولمة الجهاد لاستهداف العدو البعيد (الغرب) كان الزرقاوي يستهدف شيعة العراق. وقد كانت في العراق بيئة خصبة لعمل الزرقاوي وبخاصة بعد أن ارتكبت الولايات المتحدة خطأين هما اجتثاث البعث وحل الجيش العراقي.
والحقيقة أن اسامة بن لادن كان متوجسا من الزرقاوي واستراتيجيته في العمل في العراق التي كان يرى بأنها ستقوض من مكانة القاعدة في الاقليم. وبعد مقتل الزرقاوي في عام ٢٠٠٦ حل مكانه أبو ايوب المصري (وهو مصري وخبير متفجرات) وأسس الدولة الاسلامية في العراق وركز على البعد المحلي لرفع شعبيتها داخل العراق.
مقتل الزرقاوي وظهور الصحوات العشائرية أدى إلى الحاق هزيمة بالقاعدة في العراق وكانت هناك فرصة ذهبية لحكام العراق البدء في عملية مصالحة وطنية تستند إلى الشراكة بدلا من الاقصاء، غير أن البعد الطائفي بقي مسيطرا على البينة الذهنية للحكام الشيعة على وجه الخصوص. فهزيمة القاعدة في العراق في عامي ٢٠٠٧ و٢٠٠٨ لم تفض الى مصالحة سياسية وتوافقات وطنية كانت ستصلح كصمام للامان. وما من شك ان بقاء القوات الاميركية هو من جعل عودة القاعدة أمرا شبه مستحيل في تلك الفترة، وقد ارتكبت الولايات المتحدة خطأ آخر عندما سمحت للمالكي الذي وقع تحت تأثير طهران بأن يستمر في سياسات اقصائية وتأجيجية كانت كفيلة بعودة التنظيمات الراديكالية في أي وقت، وبالفعل عندما انسحبت القوات الاميركية على اثر توقيع اتفاقية امنية بين العراق والولايات المتحدة بدأت التنظيمات المتطرفة بالعودة شيئا فشيئا الى أن تشكلت داعش ابان الثورة السورية. طبعا داعش ترتبط ايدولوجيا بافكار الزرقاوي المتشددة، وقد تبنت نهجا دفع زعيم القاعدة ايمن الظواهري الى انتقادها والتخلي عنها، وفي ضوء كل ذلك، يمكن القول أن اجندات داعش هي طائفية بامتياز وستعمل على استهداف شيعة العراق مما يعني أن العراق قد تنزلق الى حرب أهلية وتتحول الى ساحة لحروب الوكالة لأطراف اقليمية تتصارع على هوية الاقليم وشكله للعقد القادم.
من الذي خسر العراق؟ هذا هو سؤال وجهه فريد زكريا في مقال له نشر الخميس في الواشنطن بوست. يقول فريد زكريا أن المالكي هو الخاسر الاول لأنه هو وحزبه تصرفا وكأنهما عصابة بحيث قاما باقصاء السنة العرب ووظفا الجيش وقوات الأمن لترهيب خصومهما، وهذا سيناريو تكرر قبل ذلك ولم تنجح العراق في لجم المعارضة المسلحة والقاعدة الا عن طريق الصحوات العراقية وخطة ديفيد بترايوس التي استندت إلى رفع اعداد الجنود لمحاربة القاعدة.
لكن السبب الرئيس في كل ما جرى هو سياسة الولايات المتحدة التي استندت الى ضرورة تمكين الشيعة عندما دخلت العراق دون اعداد وكانت تبحث عن حلفاء محليين. وعلاوة على ذلك رفض المالكي بأمر من طهران توقيع اتفاقية امنية تسمح ببقاء جزء من القوات الاميركية التي لو بقيت لربما لأمكن انقاذ الموقف، وهكذا فاوضت ادارة اوباما المالكي واستغلت ايران استعجال اوباما على الرحيل من العراق بالضغط على المالكي لرفض مطالب اوباما.
الآن فجأة، ينتبه الاميركان إلى أخطائهم الكثيرة في العراق، وفي الوقت الذي يؤكد فيه البنتاغون أن الولايات المتحدة لن تسمح لداعش بالانتصار، لا تملك من اوراق التاثير سوى توظيف قوتها العسكرية. فالحل العسكري والأمني لن ينجح على المديين المتوسط والطويل. وفي هذا السياق يقدم كيناث بولاك من معهد بروكينغز في مقال له نشر في صحيفة الوول ستريت جورنال عددا من المقترحات التي من شأنها على حد تعبيره ان تخلق نظاما سياسيا يمكن له ان يتصدى للتحديات والتهديدات. وهو على سبيل المثال يقترح القيام بتعديلات دستورية بحيث يكون الحد الاعلى لتولي منصبي رئاسة الحكومة ورئاسة الدولة فترتين. كما ويقترح تشكيل حكومة وحدة وطنية يكون فيها وزير الدفاع من الاكراد ووزير الداخلية من العرب السنة، كما يقترح ان تكون ملفات الامن والخارجية تحت سيطرة رئيس الدولة في حين تبقى ملفات الشؤون الداخلية والاقتصادية تحت سيطرة رئيس الحكومة.
لكن هذه الافكار على وجاهتها غير قابلة للتطبيق نظرا لغياب التأثير الاميركي بعد انسحاب القوات من العراق ونظرا لطبيعة السياسة العراقية الحالية. ويرى ماكس بوت احد اهم استراتيجي الحزب الجمهوري أن على الولايات المتحدة ان تمارس ضغطا كبيرا على العراق للدفع باتجاه تشكيل حكومة من دون المالكي قبل أن تقدم مساعدة عسكرية لهم. فبرأي ماكس بوت فإن المالكي يدير عملية تفكك العراق وهو بالتالي لا يستحق ولاية ثالثة. واخطر ما في الأمر، هو ان لم يتمكن الرئيس أوباما من التدخل بشكل يضمن سلامة اراض العراق وقام المالكي بطلب المساعدة من ايران، عندها ستدخل ايران على خط المعركة مما يفتح باب التكهنات على مصراعيه، فكيف يسمح لايران التدخل في دولة عربية ضد مكون عراقي سني؟ لهذا نقول أن الجميع خسر العراق، وعلى الدول المجاورة البدء باعداد خطة طواريء للتعامل مع عواقب سيناريو الانهيار في حال تحققه.








