«أنسنة» الموت!

حلمي الأسمر
-1- أهل غزة «أنْسَنُوا» الموت، وجعلوه إنسانا يعيش بيننا، جزءا من حياتنا، يتناول معنا إفطار الصباح، ونحتسي معه فنجان شاي الظهيرة، ويشاركنا قهوة المساء، بعد قيلولة مبللة بالكوابيس!
الموت في غزة، تحول إلى مقيم بتأشيرة مهرها واحد وعشرون ختما عربيا، نعيش معه ويعيش معنا، ولذا.. حينما نفقد عزيزا، نحمد الله قائلين: حسنا، وجد من يدفنه، ويمشي في جنازته، ويقيم له بيت عزاء، موت أفضل من موت، ثمة موت مؤجل تحت ركام منزل، وثمة موت يحولك إلى مزق وشظايا، فلا تعرف هذه القبضة من اللحم لك، أم لجارتك، هذه عين أمك أم قطعة من خد أبيك، لوحة الغارنيكا الإسبانية تستحيل مع لوحة الشجاعية مثلا، إلى خربشات بسيطة، لطفل يتهجأ الرسم!
لهذا، حينما فقدت شقيقي أحمد بالأمس، على فراش المرض، ذات فجر كالح، قلت في نفسي: الحمد لله على كل حال، هو يرتقي إلى السماء مع من ارتقوا من شهداء غزة، لعله ينال حظوة معهم، إذ يرتقي مع «أسرابهم» الراحلين إلى جوار ربهم، وقلت أيضا: موت عن موت بفرق، كما خيمة عن خيمة بتفرق، كما قال غسان كنفاني ذات يوم!
-2- محاولة اغتيال الشهيد الحي محمد ضيف، هل كانت محاولة اغتيال فاشلة؟ عمى استخباراتي مثلا؟ أم هي قتل انتقاميّ مقصود لعائلته؟ هذا هو رأي الكاتب الدكتور أسامة الأشقر.. فله رأي يستحق أن يقرأ مليا..
يريدون أن يصلوا إليه فيعجزون عنه وعن إخوانه بسبب العمى الاستخباري ! قرروا إيذاء أهله، وإرباك تفكيره بقتل زوجته وابنه الصغير ! ربما سيمسون أباه وبعض عائلته القريبين منه نسباً، فليحذر الناس من شهوة الدم لدى هؤلاء الأوغاد الصهاينة ! عدو بلا شرف بلا أخلاق مقاتلين، بلا حضارة أو إنسانية، إنه عدو حيوان ! حيواني الثقافة، وحيواني السلوك، وحيواني الوجود عدو لا يقاتل ولا يحسن القتال والمواجهة، بل يدمّر وهو متحصن في أبراجه الطائرة وقراه الحديدية وجدرانه السميكة . المقاومة ليست أشخاصاً مهما عظموا بل هي فكرة ورؤية وتنظيم وإعداد وسلوك دائم ، المقاومة لا تنكسر بفقد عزيز ولا تتفجّع أو تنحني للدم بل تقف شامخة تنتفض بالحياة وتشتد وقت العاصفة . المقاومة تضحية دائمة مكتوبة على كل مجاهد اختار سبيل الله، نقص من الأموال والأنفس والثمرات ... وبشر الصابرين!
-3- الطائرات عادت، تتجول بين غرف النوم، في غزة، وتنتقل من حارة إلى حارة، ومن المطبخ إلى باحة البيت!
«الطائراتُ تطير من غُرَفٍ مجاورةٍ الى الحمَّام , فاضطجعي على درجات هذا السُّلّم الحجريِّ، انتبهي إذا اقتربتْ شظاياها كثيراً منكِ وارتجفي قليلا، نامي قليلا، كُنَّا نحبُّك’ يا ابنتي,
كنا نَعُدُّ على أصابع كفِّك اليُسرى مسيرتَنا ونُنْقِصُها رحيلا، نامي قليلا، الطائراتُ تطيرُ، والأشجارُ تهوي، والمباني تخبز السُكَّانَ’ فاختبئي بأُغنيتي الأخيرةِ، أو بطلقتيَ الأخيرةِ، يا ابنتي
وتوسّديني كنتُ فحماً أَم نخيلا، نامي قليلا، وتَفَقَّدي أزهارَ جسمكِ، هل أُصيبتْ؟ واتركي كفِّي, وكأسَيْ شاينا, ودعي الغَسيلا، نامي قليلا، لو أَستطيع أَعدتُ ترتيب الطبيعةِ: ههنا صفصافةٌ... وهناك قلبي ههنا قَمَرُ التردُّد، ههنا عصفورةٌ للانتباهِ، هناكَ نافذةٌ تعلِمكِ الهديلَ، وشارعٌ يرجوكِ أن تَبْقَي قليلا، نامي قليلا، كُنَّا نحبكِ، يا ابنتي, والآن، نعبدُ صمتَك العالي، ونرفعهُ كنائس من بَتُوْلا، هل كنتِ غاضبةً علينا، دون ان ندري.. وندري، آهِ مِنّا ... آهِ ماذا لو خَمَشْنا صُرَّةَ الأُفقِ.
قد يَخْمِشُ الغرقى يداً تمتدُّ، كي تحمي من الغَرَقِ!»
رحم الله محمود درويش، وصديقه الذي رحل بالأمس، سميح القاسم، هو موسم الرحيل إذاً!


الدستور
تابعو الأردن 24 على