jo24_banner
jo24_banner

حتى لا يبقى تاريخنا شفويا

د. حسن البراري
جو 24 :

في سنوات خلت حضرت الى مكتبي بمركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية طالبة دكتوراه فرنسية من اصول لبنانية لإجراء مقابلة تتعلق بسياسة الأردن الخارجية تجاه إسرائيل، وأذكر انه كان يوم خميس، ونظرا لارتباطاتي في ذلك اليوم وسفري لحضور مؤتمر يوم السبت كنت قد اقترحت عليها ان نلتقى يوم الجمعة في مقهى حتى يتسنى لها اجراء مقابلة معي، غير أنها أصرت على يوم الخميس وكانت مستعدة أن تنتظر حتى أفرغ من اعمالي، وعندما سألت مستفسرا عن سبب التشبث بيوم الخميس اجابت بانها ستقابل وزيرا في مكتبه يوم الجمعة وأسرّت لي بأن الوزير سيفتح مكتبه لها في يوم عطلة رسمية لمنحها مقابلة مطولة ولم تكن تعرف متى ستنتهي المقابلة، بقي أن أذكر بأن الفتاة كانت على قدر عال من الجمال!


وأمام الحاحها وافقت أن تجري معي مقابلة مسجلة في ذلك اليوم، وأثناء المقابلة، اقترحت عليها أن تقابل شخصيات اردنية أخرى وزودتها بأرقام من اعتقدت بأنهم "يبيّضوا الوجه"، وما كان منها إلا ان اتصلت مع بعضهم وحددت لقاء في نفس اليوم الخميس! عندها خطر على بالي لو أن طالب هذا اللقاء هو طالب دكتوراه اردني، فهل يستجاب طلبه بنفس اليوم وهل كان ذاك الوزير سيفتح مكتبه في يوم عطلة رسمي؟ التقيت بها عشرات المرات بعد ذلك في مؤتمرات وفي زياراتها المتكررة لعمان اخبرتني :"رفض مسؤولون أردنيون تزويدي بها بحجة السرية!"


أحد الاصدقاء على صفحتي على الفيسبوك كتب معلقا على ادراج لي أن الدكتور محمد أبو رمان انتقد هذا السلوك من قبل المسؤولين الأردنيين وما كان مني إلا ان عدت ابحث عما كتب صديقي الدكتور أبو رمان بهذا الخصوص. ولعل أبو رمان سبقنا جميعا في التنبه لهذه الظاهرة عندما كتب في صحيفة الغد مقالا استهجن فيه تردد أو لنقل رفض المسؤولين الأردنيين توفير المعلومات للباحثين الأردنيين، ويقول أبو رمان: "عندما كتبت دراستي عن العلاقة بين حركة حماس والأردن، حاولت مقابلة مسؤول مهم سابق، فاعتذر لأنّه مؤتمن على "أسرار الدولة"!

يا له من شعور رائع بالأمانة والمسؤولية، لو كان ملتزماً بذلك مع الجميع! لكن المسؤول المؤتمن نفسه، فتح الأسرار كافة أمام باحث أسترالي مستشرق، وهو صاحب كتاب "اقتل خالد"! ولم يترك شاردة ولا واردة، حتى التفاصيل الدقيقة الصغيرة. والأمر نفسه مع صاحب كتاب "أبو دجانة الخراساني" الأميركي! لماذا؟ إنّها "عقدة النقص" مع الآخر، ومرض الاحتقار لكل ما هو أردني!" هنا يشير أبو رمان إلى الصحفي الاسترالي بول ماكغوف في كتابه الذي نشر باللغة الانجليزية بعنوان "أقتل خالد".

أسوق هذه المقدمة للحديث عن اصرار الرسميين على السريّة الانتقائية وعلى انفصامهم عن الواقع، قبل ايام قليلة رحل اللواء المتقاعد احمد علاء الدين والذي كان ضابطا شجاعا ذاع صيته في سبعينيات القرن الماضي، وكان احمد علاء الدين بطلا لعدة مواجهات خاضتها القوات الخاصة الأردنية في التعامل مع من كان يستهدف الأمن الأردني، والحقيقة أن ما يقال عن احمد علاء الدين حوّله إلى اسطورة تتناقلها الاجيال. قبل ايام قرأت ادراجات فيسبوكية عن مشاركته في تحرير الحرم المكي الذي تم احتلاله عام 1979 من قبل جيهمان وجماعته. الاردنيون يعتقدون أن جيشنا شارك في العملية والبعض يستخدم ذلك دائما للتدليل أما على الدور الامني أو على بسالة الجيش، طبعا لا يختلف اثنان على بسالة الجيش غير أن القضية الرئيسة التي دفعتني للكتابة اليوم تتعلق بسؤال حقيقة مشاركة قوات أردنية بتحرير الحرم المكي وإذا كانت هناك بالفعل مشاركة لماذا بقيت وكأنها عمل سري يتداوله النشطاء ولا نجد توثيقا أردنيا مكتوبا.


أعترف هنا بأنني لم أقرأ كل شيء كتب عن حركة جهيمان، لكنني قرأت في نهاية عام 2008 كتابا كان قد نشر للتو عن تفاصيل تحرير الحرم المكي وحصل الكتاب على جوائز عالمية، وصاحب الكتاب هو ياروسلاف تروفيموف الذي اختار عنوانا مثيرا: حصار مكة (The Siege of Mecca). والكتاب يتحدث عن نشأة جهيمان وحركته والطريقة التي احتلت بها الحرم المكي وفشل القوة السعودية في محاولاتها الأولى من السيطرة على حركة جهيمان. ويقدم الكتاب سردا تفصيليا عن استعانة السعودية بضباط من الجيش الفرنسي لتقديم العون للجيش السعودي، ولا يوجد أي ذكر في هذا الكتاب لأي دور أردني. منهجية الكتاب ومصادره تدل على أن مؤلفه حصل على معلومات من مصادرمختلفة ومطلعة على تفاصيل العملية، ومع ذلك لم يكن هناك أي اشارة لأي دور أردني! الكتاب مليء بالتفاصيل وكأنه رواية تصلح لأن تكون أساسا لنص سينمائي.


اتصل بي الكثيريون على الفيسبوك مؤكدين مشاركة قوات أردنية وآخرين استبعدوا المشاركة المباشرة، غير أن القضية برأيي تتجاوز حقيقة مشاركة من عدم مشاركة قوات أردنية، فالقضية تتعلق بأننا وعن قصد نبقي جزءا من تاريخنا يروى شفويا، وما أثار استغرابي ايضا أن المؤرخين الأردنيين لم يتطرقوا لهذه الواقعة! فهل درب الكسل بأوصال الكتّاب الذين لا يكلفوا أنفسهم عناء البحث عن حقائق تتعلق ببلدهم أم أن مناخ الحريات الاكاديمية غائب وأن هناك رقابة ذاتيه تمنع الباحث الجاد من الكتابة عن الأردن بعيدا عن السياق الرسمي؟! ثم هل يمكن القاء اللوم على المؤرخين الذين تمنع عنهم الوثائق بينما تفتح لغيرهم من الغربيين.


نحن أمام معضلة مزدوجة، فالمسؤول الأردني مفتون بالغرب وسحره ويضعف أمام الباحث الغربي، والأهم أن المواطن الأردني المثقف لا يثق بما يكتبه كتّاب السلطة – وهم كثر – لذلك يبحث عن المعلومة من مصادر غير أردنية، والمحزن أننا نقرأ الأردن من كتّاب غربيين وبعض الإسرائيليين مثل آفي شلايم وأشر سسر لفهم تاريخ الأردن! وحتى الذين يتولون مناصب رفيعة في الدولة الأردنية لم يكتبوا باستثناء ربما عدنان ابو عودة ومروان المعشر ونذير رشيد الذين كتبوا كتبا لنا أن نختلف وأن نتفق على مضمونها لكنها كتب في غاية الأهمية لأنها تتناول جزءا من تاريخ الدولة من وجهة نظر من كان يعمل بها. فالمسؤول الأردني عندما يخرج من منصبة ينتظر منصبا آخرا لذلك يصمت. وهذا على العكس من الغربيين، فما أن يترك الوزير منصبه الا ويكتب مذكراته في الحكومة.

تابعو الأردن 24 على google news
 
ميثاق الشرف المهني     سياستنا التحريرية    Privacy Policy     سياسة الخصوصية

صحيفة الكترونية مستقلة يرأس تحريرها
باسل العكور
Email : info@jo24.net
Phone : +962795505016
تصميم و تطوير