لم تكن مباحثات مسقط في السادس من شباط 2026 مجرد جولة تفاوضية جديدة بين واشنطن وطهران، بل محطة سياسية تكشف تحوّلًا أعمق في بنية التوازنات الإقليمية. ما جرى في عُمان لم يكن تفاوضًا تقنيًا حول الملف النووي فحسب، بل اختبارًا لإعادة صياغة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، في لحظة تشعر فيها إسرائيل أن البيئة المحيطة بها لم تعد ثابتة كما كانت.

مسقط: الدبلوماسية تحت ظل القوة
المشاركة الرسمية لقائد القيادة المركزية الأميركية في الوفد المفاوض لم تكن تفصيلًا بروتوكوليًا، بل رسالة عملياتية واضحة: الحوار يجري بينما الخيار العسكري جاهز. هذا الدمج بين التفاوض والردع يعكس إدراكًا أميركيًا بأن الملف الإيراني لم يعد محصورًا في تخصيب اليورانيوم، بل في شبكة نفوذ عسكرية وصاروخية تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
اللافت أن الأجندة المطروحة تجاوزت النووي لتشمل الصواريخ الباليستية الدقيقة والطائرات المسيّرة بعيدة المدى. وهذه نقطة حساسة، لأن التهديد الأكبر لإسرائيل اليوم لا يكمن فقط في "القنبلة النووية المحتملة”، بل في منظومة الصواريخ الدقيقة المنتشرة في إيران ولبنان وسوريا واليمن، والتي تُقدَّر بالآلاف.
واشنطن تدرك أن ضرب هذه المنظومة عسكريًا شبه مستحيل دون حرب شاملة، لذلك تسعى إلى احتوائها تفاوضيًا. لكن هنا تحديدًا يبدأ القلق الإسرائيلي.

إسرائيل: القلق من اتفاق ناقص
في القراءة الإسرائيلية، أي اتفاق لا يتضمن تفكيكًا فعليًا للبنية الصاروخية الإيرانية سيكون اتفاقًا هشًا يمنح طهران شرعية إضافية. تجربة 2015 لا تزال ماثلة في الذاكرة الأمنية الإسرائيلية: تخفيف العقوبات يعني ضخ مليارات الدولارات في الاقتصاد الإيراني، ما يترجم سريعًا إلى تمويل الحلفاء الإقليميين.
الأكثر خطورة بالنسبة لتل أبيب هو إدراكها أن حتى حربًا مباشرة مع إيران لن تقضي على الخطر الصاروخي بالكامل. لذلك بدأ التركيز الإسرائيلي ينتقل نحو الدفاع متعدد الطبقات، خصوصًا مشاريع الليزر عالية الطاقة، بهدف تقليل كلفة الاعتراض في حال تعرض الجبهة الداخلية لوابل مكثف.
إسرائيل لا تخشى "الحرب فقط”، بل تخشى "حرب الاستنزاف الصاروخية الطويلة”.

مصر: التحول الهادئ الذي يزعج تل أبيب
بعيدًا عن إيران، برز عامل آخر أقل صخبًا لكنه أكثر حساسية: تعاظم القدرات العسكرية المصرية. الحديث الإسرائيلي عن إنشاء بنى عسكرية متقدمة في سيناء، وتوسيع مدارج جوية، وإدخال منظومات تسليح نوعية، يعكس قلقًا من تآكل التفوق النوعي الذي كان ركيزة العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ 1979.
الحرب في غزة زادت من حساسية الملف، خاصة مع تعزيز الوجود المصري قرب معبر رفح ومحور فيلادلفيا. القاهرة ترى في ذلك حماية لأمنها القومي ومنعًا لسيناريو التهجير، بينما تقرأه تل أبيب كعامل ضغط استراتيجي مستقبلي.
هنا يصبح معبر رفح أكثر من بوابة إنسانية؛ يصبح نقطة تماس بين رؤيتين للأمن الإقليمي.

التقارب المصري–التركي: إعادة تشكيل المحور
التقارب بين القاهرة وأنقرة يضيف بعدًا جديدًا. فعودة التنسيق بين أكبر قوتين عسكريتين في شرق المتوسط تعني عمليًا أن البيئة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل لم تعد مفككة كما كانت خلال العقد الماضي.
هذا التقارب لا يعني تحالفًا عسكريًا مباشرًا، لكنه يعكس استعدادًا لتنسيق المواقف في ملفات الطاقة، وغزة، وشرق المتوسط. بالنسبة لتل أبيب، هذا تطور غير مريح، لأنه يحدّ من قدرتها على إدارة الملفات الإقليمية عبر توازنات منفصلة.

الولايات المتحدة بين ثلاثة توازنات
واشنطن اليوم تحاول تحقيق ثلاثة أهداف متزامنة:
1. منع اندلاع حرب إقليمية مع إيران.
2. طمأنة إسرائيل بعدم التفريط بأمنها.
3. الحفاظ على استقرار مصر وتركيا كشريكين إقليميين أساسيين.

لكن الجمع بين هذه الأهداف ليس سهلًا. فالتقارب الأميركي–الإيراني المحتمل يثير شكوك إسرائيل، بينما الضغط على مصر في ملف سيناء أو رفح قد يهدد استقرار معادلة السلام. لذلك تميل السياسة الأميركية إلى إدارة اتوازن بدل حسمه.

إعادة توزيع القوة… لا انفجارها
ما تكشفه لحظة مسقط هو أن الشرق الأوسط لا يتجه نحو حرب شاملة بالضرورة، لكنه يتجه نحو إعادة توزيع تدريجي للقوة. إيران تحاول تثبيت نفسها لاعبًا تفاوضيًا لا مجرد خصم معزول. مصر تعيد تموضعها كقوة إقليمية وازنة. تركيا تعود إلى مركز المعادلة عبر بوابة القاهرة. وإسرائيل تجد نفسها أمام محيط أقل قابلية للتنبؤ.
السؤال لم يعد: هل ستندلع حرب غدًا؟
بل: كيف سيتكيّف اللاعبون مع بيئة لم تعد ثابتة؟

خاتمة: عام الاختبار الحقيقي
مباحثات مسقط ليست اتفاقًا بعد، لكنها إشارة. إشارة إلى أن 2026 قد يكون عام إدارة التناقضات بدل تفجيرها، وعام اختبار قدرة إسرائيل على التعامل مع واقع إقليمي متغير.
قد لا يكون هذا عام الحرب الكبرى، لكنه بالتأكيد عام إعادة توزيع القوة في الإقليم.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي:
ليس في منع التحولات، بل في فهمها قبل أن تتحول إلى وقائع ثابتة.