في لحظة وطنية دقيقة تتعاظم فيها التحديات الاقتصادية وتتسع الفجوات التنموية بين المركز والأطراف، تبرز مبادرة مركز دراسات التنمية المستدامة في جامعة اليرموك حول "رؤية إربد عاصمة اقتصادية” كمشروع وطني يتجاوز حدود المحافظة ليضع تصورًا مختلفًا لتحريك الاقتصاد الأردني بأكمله.
لماذا يجب أن ندعم هذه المبادرة؟
لأنها ببساطة لا تتحدث عن تنمية محلية ضيقة، بل عن إعادة توزيع ديناميكية النمو في الدولة. فعلى مدى سنوات، عانت محافظات الأطراف من تراجع الفرص الاقتصادية وضعف الاستثمارات، ما دفع آلاف المواطنين إلى الهجرة نحو العاصمة عمان بحثًا عن العمل والخدمات. هذه الهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل تحولت إلى ضغط هائل على البنية التحتية في العاصمة، وأزمة مرورية خانقة، وارتفاع في كلف السكن، وتحديات خدمية متزايدة.
وفي المقابل، لم تسلم محافظة إربد نفسها من هذه الظاهرة، إذ بدأت تشهد هجرة داخلية من ألوية وأطراف المحافظة باتجاه مركز المدينة، ما أضعف التنمية في الأرياف وأفرغ بعض المناطق من طاقاتها البشرية. إن استمرار هذا النمط يهدد التوازن الاجتماعي والاقتصادي، ويكرّس فجوة تنموية يصعب معالجتها لاحقًا.
تنمية إربد كمحافظة متكاملة — لا كمدينة فقط — تمثل خطوة استراتيجية للحد من هذه الظواهر. فجميع ألوية إربد تمتلك إمكانات سياحية وزراعية وتجارية وبشرية قادرة على خلق فرص عمل محلية مستدامة، إذا ما أُدرجت ضمن تخطيط تنموي حديث يستثمر في الميزات النسبية لكل منطقة. عندما تتوافر الفرص في مكان الإقامة، تتراجع دوافع الهجرة، ويستقر الناس في مجتمعاتهم، ويتحقق نمو أكثر توازنًا وعدالة.
أما الحجة القائلة إن تنمية مدن الأطراف قد تقلل من أهمية العاصمة، فهي لم تعد مقنعة في ظل تعقيدات الدولة الحديثة. فالعواصم السياسية لا تفقد مكانتها حين تتعزز مراكز اقتصادية أخرى، بل على العكس، تستفيد من تخفيف الضغط عنها. التجربة الدولية واضحة في هذا السياق؛ فمدينة نيويورك تمثل العاصمة الاقتصادية للولايات المتحدة، بل إحدى أهم المراكز المالية في العالم، دون أن تنتقص من مكانة واشنطن السياسية. وكذلك الحال في شنغهاي وهونغ كونغ، حيث الثقل الاقتصادي، مقابل العاصمة السياسية بكين، أو في إسطنبول التي تمثل القلب الاقتصادي لتركيا، دون أن تحل محل أنقرة سياسيًا.
حتى التفكير بإنشاء مدن جديدة خارج عمان هو في جوهره اعتراف ضمني بأن الضغط بلغ مداه، وأن الحل لا يكمن في تكريس المركزية، بل في توزيع التنمية. وهنا تحديدًا تأتي أهمية رؤية إربد عاصمة اقتصادية؛ فهي ليست منافسًا للعاصمة، بل صمام أمان لها، وشريكًا في حمل عبء النمو الوطني.
المبادرة التي أطلقها المركز تستحق الدعم لأنها تمثل تفكيرًا خارج الصندوق، وتعيد طرح سؤال جوهري: هل نريد اقتصادًا متركزًا في بقعة جغرافية واحدة، أم اقتصادًا وطنيًا متوازنًا يقوم على أقطاب نمو متعددة؟ دعم هذه المبادرة ليس موقفًا مناطقيًا، بل خيارًا استراتيجيًا لصالح الدولة بأكملها.
إن تحويل إربد إلى قطب اقتصادي حقيقي يعني خلق فرص عمل، وتحفيز الاستثمار، وتعزيز العدالة التنموية، وتقوية الاقتصاد الوطني في آن واحد. ولهذا، فإن دعم هذه الرؤية ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية تستحق الالتفاف حولها.