كتب اللواء المتقاعد د. موسى العجلوني -

في لحظة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، يقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمام معادلة قاسية في تعامله مع إيران: إما القبول باتفاق لا يحقق كامل شروطه، أو المضي نحو تصعيد قد يفتح أبواب مواجهة غير محسوبة. غير أن العامل الأكثر تأثيرًا اليوم لا يكمن فقط في طبيعة هذين الخيارين، بل في الأدوات التي يستخدمها ترامب لإدارتهما—وعلى رأسها التصعيد العسكري وتحريك قوات من سلاح مشاة البحرية الأمريكية إلى المنطقة.

التصعيد هنا لا يُقرأ كتمهيد حتمي للحرب، بل كجزء من استراتيجية تفاوضية قائمة على فرض"التهديد القابل للتصديق". فالإدارة الأمريكية تدرك أن التهديدات اللفظية وحدها لم تعد كافية لتغيير سلوك طهران، وبالتالي فإن الحشد العسكري يهدف إلى تحويل هذا التهديد إلى احتمال واقعي، يعيد تشكيل حسابات القرار الإيراني. بمعنى آخر، لا تسعى واشنطن بالضرورة إلى الحرب، لكنها تريد أن تبدو مستعدة لها.

هذا النهج يمنح ترامب، نظريًا، ورقة ضغط إضافية في مسار التفاوض. فرفع منسوب التوتر يهدف إلى زيادة كلفة "اللا اتفاق" على إيران، ودفعها نحو قبول تسوية بشروط أقرب إلى الرؤية الأمريكية. كما أن هذا التصعيد يخاطب جمهورًا متعددًا في آن واحد: حلفاء إقليميين ينتظرون موقفًا حازمًا، ومؤسسة أمنية داخلية، ورأيًا عامًا أمريكيًا لا يتسامح مع مظاهر التراجع.

لكن هذه المقاربة تنطوي على مفارقة عميقة. فكلما ارتفع مستوى الضغط العسكري، تضاءلت مرونة الطرف المقابل، الذي قد يرى في التراجع تحت التهديد مساسًا بهيبته السياسية. وهنا، بدل أن يسهّل التصعيد التوصل إلى اتفاق، قد يدفع نحو مزيد من التعنت، ويقوّض فرص التسوية التي يسعى إليها أصلًا.

وفي حال الانتقال إلى الخيار الثاني—أي التصعيد الفعلي—فإن الحشد العسكري لا يجعل القرار أسهل، بل أكثر خطورة. فوجود قوات جاهزة في الميدان يزيد من احتمالية الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة، سواء عبر خطأ في الحسابات أو حادث ميداني. كما أن ترجمة هذا الحشد إلى خطوات عملية، كاستهداف مواقع حساسة مثل جزيرة خرج أو محاولة فرض سيطرة على مضيق هرمز، تعني الدخول في حرب إقليمية مفتوحة، وليس مجرد عملية محدودة يمكن احتواؤها.

الأخطر من ذلك أن هذا التصعيد يخلق ما يمكن تسميته بـ"فخ المصداقية". فحين ترفع واشنطن سقف التهديد وتحشد قواتها، تصبح مطالبة بترجمة هذا التهديد إلى فعل، وإلا بدت وكأنها تتراجع. وهذا يضيّق هامش المناورة أمام ترامب، إذ لم يعد التراجع إلى اتفاق أقل من التوقعات خيارًا سهلًا دون كلفة سياسية داخلية، كما أن المضي نحو التصعيد لم يعد مجرد خيار، بل اختبارًا لجدية التهديدات الأمريكية.

هكذا، يتحول التصعيد من أداة ضغط إلى عنصر مُقيد للقرار. فهو من جهة يمنح ترامب أوراقًا تفاوضية إضافية، ومن جهة أخرى يرفع سقف المخاطر، ويجعل كل خطوة لاحقة أكثر حساسية. وبين خيار اتفاق لا يرضي بالكامل، وتصعيد قد يخرج عن السيطرة، يصبح الحشد العسكري سلاحًا ذا حدين: يعزز الموقف التفاوضي بقدر ما يهدده.

في المحصلة، لا يبدو أن أمام ترامب مخرجًا سهلًا. فالتصعيد الذي يُفترض أن يدعم موقفه التفاوضي قد يتحول إلى عبء يقيده، والاتفاق الذي يسعى إليه قد يبدو أضعف تحت ظل هذه الحشود. وبين هذا وذاك، تتجلى الحقيقة الأهم: أن إدارة الأزمات في الشرق الأوسط لم تعد تُحسم فقط بحجم القوة، بل بقدرة صانع القرار على استخدام هذه القوة دون أن يقع أسيرًا لها.