كتب أ. د. عبدالرزاق بني هاني *
بعد قراءةٍ تجاوزت مئة ألف صفحة من تاريخ الفكر الاقتصادي والاجتماعي، امتدت على مدار ثلاثةِ عقود، تبلورت لديّ قناعةٌ لم تعد تحتمل الشك، ومفادها أن ما تعيشه بعض المجتمعات ليس سلسلة أزمات عابرة، بل بنية عميقة من الهزائم المتراكمة التي تُعيد إنتاج نفسها في كل جيل. وليست الهزيمة هنا حدثاً منفرداً، ولا نتيجة خطأ واحد يمكن عزله وتصحيحه، بل هي حصيلة مسار طويل من الإخفاقات الصغيرة التي تكدّست حتى تحولت إلى نظام كامل من العجز. فكل سياسة فاشلة، وكل قرار مؤجل، وكل إصلاح مبتور، لا يختفي أثره، بل يبقى كامناً، يتراكم، ويتفاعل مع غيره، حتى يصبح جزءاً من نسيج الاقتصاد ذاته. وهنا تحديداً تبدأ اقتصاديات الهزيمة التراكمية (Theory of Cumulative Defeat)، بوصفها إطاراً تفسيرياً لا يبحث عن الخطأ الأول، بل عن كيفية تحوّل الأخطاء إلى بُنية، ذات أركان وفروع ممتدة. ففي الاقتصاد التقليدي، نميل إلى تحليل الظواهر في مقاطع منفصلة؛ بطالة هنا، وعجز مالي هناك، وضعف إنتاجية في مكان آخر. لكن هذا التفكيك، على ضرورته التحليلية، يُخفي الحقيقة الأعمق، وهي أن هذه الظواهر ليست مستقلة، بل مترابطة ترابطاً عضوياً. فالبطالة ليست فقط نتيجة ضعف الاستثمار، بل أيضاً نتيجة تعليم غير ملائم، ونظام حوافز مشوّه، وثقة متآكلة بين الحكومة والمجتمع. والعجز المالي ليس مجرد خلل في الإيرادات والنفقات، بل انعكاس لمسار اقتصادي طويل فقد فيه الاقتصاد قدرته على توليد القيمة.
تعمل الهزيمة التراكمية من خلال آليات دقيقة لكنها قاسية. أولها) أن الإخفاق يولّد إخفاقاً. فحين يفشل نظام التعليم في إنتاج مهارات حقيقية، يدخل الخريجون إلى سوقِ عملٍ عاجز عن استيعابهم، فتتضخم البطالة، ويزداد الضغط على الحكومة لتوظيفهم في جهاز بيروقراطي متخم، ما يضعف الإنتاجية ويزيد العجز، فتتقلص الموارد المخصصة لتحسين التعليم، ويبدأ الدوران من جديد. وهذه ليست مصادفة، بل دائرة مغلقة.
ثانيها) أن الزمن لا يُصلح الأخطاء، بل يرسّخها. كلما طال بقاء السياسات غير الفعّالة، ازدادت كلفة تغييرها. فتنشأ حولها مصالح، وتتكون شبكات تستفيد من بقائها، ويصبح الإصلاح تهديداً لا فرصة. وعند هذه النقطة، لا تعود الهزيمة مجرد نتيجة، بل تتحول إلى توازن مستقر، لكنه توازن عند مستوى منخفض من الكفاءة.
ثالثها) أن الثقة، وهي رأس المال غير المرئي، تتآكل بصمت. فحين يفقد الأفراد ثقتهم في المؤسسات، يتغير سلوكهم، فيقلّ الامتثال، وتزداد الفردانية، وتتراجع الاستثمارات طويلة الأجل. والاقتصاد في جوهره ليس معادلات وحسابات معقدة فقط، بل توقعات، والثقة هي ما يحدد اتجاه هذه التوقعات. وعندما تنهار، يصبح حتى القرار الصحيح عاجزاً عن تحقيق أثره. وفي هذا السياق، لا يمكن فهم الواقع الاقتصادي دون إدراك أن ما نراه اليوم هو نتاج تراكم تاريخي، لا يمكن فصله عن مسارات طويلة من الاختيارات المؤجلة أو الخاطئة. وإن محاولة إصلاح هذا الواقع عبر تدخلات جزئية تشبه معالجة عرضٍ لمرضٍ مزمن دون الاقتراب من أسبابه الجذرية. فقد يتحسن المؤشر مؤقتاً، لكن البنية تبقى على حالها، مستعدة لإعادة إنتاج الأزمة. وهنا تبرز المفارقة؛ كلما كانت المشكلة بنيوية، كانت الحلول الجزئية أكثر إغراءً، لأنها أقل كلفة سياسياً وأسرع أثراً ظاهرياً. لكن هذه الحلول نفسها تغذي الهزيمة التراكمية، لأنها تؤجل المواجهة الحقيقية. لكن الإصلاح الحقيقي، في المقابل، يتطلب ما يمكن نسميته الدفعة المنسقة (Coordinated Push)، وهي حزمة من التغييرات المتزامنة التي تستهدف البنية بأكملها، لا أجزاءها فقط. فإصلاح التعليم دون إصلاح سوق العمل، أو ضبط المالية العامة دون تحسين بيئة الاستثمار، لا يكسر الحلقة، بل يحرّكها قليلاً داخل المسار نفسه. فاقتصاديات الهزيمة التراكمية لا تنظر إلى الاقتصاد كآلة يمكن إصلاحها بقطعة غيار، بل كنظام حيّ، تتفاعل مكوناته باستمرار. ولهذا، فإن أي تدخل يجب أن يأخذ في الحسبان شبكة العلاقات التي تربط هذه المكونات. والإصلاح ليس قراراً تقنياً فقط، بل هو إعادة تشكيل للحوافز، وإعادة بناء للثقة، وإعادة توجيه للمسار.
ومع ذلك، فإن هذه النظرية لا تحمل نزعة تشاؤمية حتمية. فإذا كانت الهزيمة تتراكم، فإن النجاح أيضاً يمكن أن يتراكم. ويكمن الفرق في نقطة التحول؛ أي اللحظة التي يُكسر فيها المسار القديم، وتُطلق ديناميات جديدة. وهذه اللحظة لا تأتي صدفة، بل نتيجة إدراك عميق بأن كلفة الاستمرار في المسار الحالي أصبحت أعلى من كلفة تغييره.
إن أخطر ما في الهزيمة التراكمية أنها لا تبقى محصورة في نطاق المؤشرات الاقتصادية، بل تتسلل إلى البنية الإدراكية للمجتمع ذاته، فتُعيد تشكيل ما يمكن تسميته بأفق الممكن (Potential Horizon). فمع تكرار الإخفاق، لا يتغير الواقع فقط، بل تتغير معه تصورات الأفراد عمّا هو قابل للتحقق. تنخفض سقوف الطموح، وتُستبدل مشاريع التحول الكبرى بإستراتيجيات بقاء قصيرة الأمد. وهنا تبلغ الهزيمة ذروتها؛ حين لا يعود الفشل حدثاً يُقاوم، بل يصبح أفقاً يُتكيّف معه. في هذه اللحظة، يفقد الاقتصاد أحد أهم محركاته: الخيال. فالاستثمار، في جوهره، فعل إيمان بالمستقبل، وعندما يُصاب هذا الإيمان بالتآكل، يتحول رأس المال من أداة لبناء الغد إلى وسيلة للتحوّط ضدّه. ومن زاوية أعمق، يمكن النظر إلى اقتصاديات الهزيمة التراكمية بوصفها شكلاً من أشكال القصور الذاتي المؤسسي، حيث لا تستمر المؤسسات في مسارها لأنها فعّالة، بل لأنها أصبحت عاجزة عن التغيير. فالتاريخ هنا لا يعمل كخزان للخبرة، بل كقيدٍ يحدّ من إمكانيات الانفكاك. وكل إصلاح جزئي، مهما بدا عقلانياً، يصطدم ببنية من التوقعات والسلوكيات التي تشكّلت عبر الزمن، فتقوم بامتصاص أثره أو تحويره. وهكذا، يتحول الفعل الإصلاحي من قوة دافعة إلى مجرد تعديل طفيف في سطح نظام عميق. ولا يمكن كسر هذا القصور إلا عبر ما يمكن تسميته صدمة إدراكية، تعيد تعريف المشكلة ذاتها، قبل أن تعيد صياغة حلولها. ومع ذلك، فإن لحظة التحول، على ندرتها، تظل ممكنة، بل وقابلة للصناعة. فهي لا تنشأ فقط من قرارات سياسية جريئة، بل من تلاقي وعي جمعي جديد مع إرادة مؤسسية قادرة على ترجمته. حينها، لا يكون الإصلاح مجرد تغيير في السياسات، بل إعادة تأسيس للعقد الضمني بين الدولة والمجتمع. وفي هذا السياق، يصبح النجاح التراكمي مرآة معاكسة للهزيمة التراكمية؛ إذ تبدأ الإنجازات الصغيرة، حين تتكامل، في إنتاج مسار جديد، تتعزز فيه الثقة، وتُعاد فيه هيكلة الحوافز، وتُفتح فيه آفاق كانت مغلقة. فالتاريخ، كما يُقيّد، يمكنه أيضاً أن يتحرر، لكن فقط حين يُعاد توجيهه بإرادة واعية تدرك أن التراكم، في جوهره، محايد؛ وأن ما يُحدد اتجاهه ليس الماضي، بل كيفية قراءته والتعامل معه.
في النهاية، ليست المشكلة أن المجتمعات تخطئ، فالأخطاء جزء من أي تجربة إنسانية، بل المشكلة أن هذه الأخطاء لا تُعالج في حينها، فتتحول إلى طبقات من القيود التي تحاصر المستقبل. واقتصاديات الهزيمة التراكمية هي دعوة لإعادة قراءة الواقع لا كحالة طارئة، بل كمسار، وإعادة التفكير في الإصلاح لا كاستجابة، بل كتحول. فالهزيمة، حين تُفهم، لا تعود قدراً.
* إهداء إلى صديقي الأستاذ الدكتور رعد محمود التل