لا يحمل الأول من أيار في الأردن معنى الاحتفاء بالعمل فحسب، بل يطرح سؤالًا أوسع حول موقع العامل في اقتصاد يتأثر بعوامل داخلية وخارجية متشابكة. ويأتي عيد العمال بوصفه لحظة لقراءة سوق العمل الأردني في سياق محلي ودولي، مع إبراز فرص التعاون مع الصين والشرق الأوسط في تطوير المهارات والإنتاجية. وبينما يتركز النقاش عادة حول الأجور والتشغيل، يبرز سؤال أقل حضورًا لكنه أكثر عمقًا، كيف نوازن بين الإنتاجية ورفاه العامل؟ فالتحدي اليوم ليس فقط في خلق فرص العمل، بل في بناء منظومة عمل مستدامة إنسانيًا واقتصاديًا في آن واحد.
أولًا: الدلالة التاريخية والرمزية لعيد العمال
نشأ عيد العمال كتعبير عن نضال عالمي لتحسين ظروف العمل وتحقيق العدالة في العلاقة بين العامل وصاحب العمل. ومع مرور الوقت، أصبح هذا اليوم يحمل دلالة أعمق تتعلق بالاعتراف بأن العمل ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل ركيزة للاستقرار الاجتماعي والكرامة الإنسانية.
هذه الفكرة، أي الربط بين العمل والكرامة، تمثل المدخل الأول لفهم العلاقة بين الإنتاجية والرفاه. فالإنتاجية التي تُبنى على إنهاك العامل أو تهميشه لا يمكن أن تكون مستدامة. وفي المقابل، فإن تحسين ظروف العمل لا ينبغي أن يُفهم باعتباره عبئًا على الاقتصاد، بل استثمارًا في رأس المال البشري.
في الأردن، تأخذ هذه المعادلة بعدًا خاصًا. فالموارد المحدودة والضغوط الاقتصادية تجعل من السهل اختزال العمل في كونه "كلفة”، لكن التجارب الدولية تشير إلى أن هذا الاختزال قد يكون مكلفًا على المدى الطويل. هنا تبرز أهمية قراءة نماذج مثل الصين، التي أعادت صياغة العلاقة بين العمل والإنتاج ضمن إطار أكثر تكاملًا.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل اختلاف السياقات. فنجاح أي نموذج يرتبط ببيئته المؤسسية والاقتصادية، ما يستدعي التعامل مع هذه التجارب بوصفها مصدر إلهام، لا قالبًا جاهزًا.
ثانيًا: سوق العمل الأردني بين الأجور والإنتاجية
تعكس تحديات سوق العمل في الأردن معادلة غير مكتملة بين الأجور والإنتاجية. فمن جهة، يواجه العامل ضغوطًا معيشية حقيقية، ومن جهة أخرى، تواجه المؤسسات تحديات في الكلفة والتنافسية.
هذه الفجوة تشير إلى خلل في العلاقة بين الجهد المبذول والقيمة المنتجة. فالإنتاجية لا ترتبط بعدد ساعات العمل فقط، بل بجودة العمل، ومستوى المهارة، والتنظيم، واستخدام التكنولوجيا. وهنا يصبح الاستثمار في العامل شرطًا لتحسين الأداء الاقتصادي.
في هذا السياق، يمكن أن يوفر التعاون مع الصين فرصًا عملية، خاصة في مجالات التدريب التطبيقي، وربط التعليم بالإنتاج، ونقل الخبرات في إدارة سلاسل الإمداد. التجربة الصينية لم تعتمد فقط على كثافة العمل، بل على رفع كفاءة العامل وربطه بمنظومة إنتاج متكاملة.
لكن في المقابل، لا بد من الإشارة إلى أن تحسين الإنتاجية يتطلب أيضًا إصلاحات أوسع، تشمل بيئة الأعمال، والحوكمة، وتخفيف الكلف غير الإنتاجية. فالعامل لا يعمل في فراغ، بل ضمن نظام كامل يؤثر على أدائه.
ثالثًا: البعد الاجتماعي، الرفاه كجزء من الإنتاج
الرفاه الاجتماعي للعامل ليس قضية ثانوية، بل عنصر مباشر في الإنتاجية. العامل الذي يتمتع بأمان وظيفي، وحماية اجتماعية، وبيئة عمل مستقرة، يكون أكثر قدرة على العطاء والاستمرار.
في الأردن، تتجلى أهمية هذا البعد في عدة ملفات، منها تشغيل الشباب، ومشاركة النساء، وأوضاع العمالة غير المنظمة. هذه القضايا ليست منفصلة عن الإنتاج، بل تؤثر فيه بشكل مباشر.
على سبيل المثال، ضعف مواءمة التعليم مع سوق العمل يخلق فجوة مهارية تؤثر على الإنتاجية. كما أن محدودية مشاركة النساء تقلل من الاستفادة من رأس المال البشري المتاح. أما العمالة غير المنظمة، فغياب الحماية لها قد يؤدي إلى دورة من العمل الهش منخفض الإنتاجية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن توسيع الحماية الاجتماعية يتطلب موارد، ما يفرض تحديًا في تحقيق التوازن بين العدالة والاستدامة المالية. الحل هنا يكمن في تصميم سياسات ذكية تدريجية، لا في تجاهل المشكلة أو المبالغة في معالجتها.
رابعًا: مستقبل العمل، إعادة تعريف العلاقة بين الإنتاج والراحة
مع التحولات التكنولوجية، لم يعد النقاش حول العمل يقتصر على "كم نعمل”، بل "كيف نعمل”. الرقمنة والذكاء الاصطناعي يعيدان تعريف مفهوم الإنتاجية، ويطرحان تساؤلات حول دور الإنسان في العملية الإنتاجية.
في هذا السياق، يمكن الاستفادة من تجارب دولية، منها الصين، التي لا تنظر إلى العمل كعملية مستمرة بلا توقف، بل كدورة متكاملة تشمل الإنتاج والراحة. ففيها تمتد عطلة عيد العمال لعدة أيام، في دلالة على أن الراحة جزء من استدامة الأداء الاقتصادي، لا تعارضه.
لكن هذه المقاربة لا تقوم على تقليل العمل، بل على تنظيمه بكفاءة عالية. فمستويات الإنتاجية المرتفعة، واستخدام التكنولوجيا، والتخطيط الدقيق، كلها عوامل تسمح بتحقيق هذا التوازن.
بالنسبة للأردن، يفتح هذا التحول بابًا لإعادة التفكير في نماذج العمل، خصوصًا في القطاعات التي يمكن أن تستفيد من المرونة الرقمية، مثل الخدمات، والتجارة، وسلاسل الإمداد. لكن في المقابل، فإن هذا التحول قد يهدد بعض الوظائف التقليدية، ما يتطلب استباقه بسياسات تأهيل وتدريب.
توصيات من واقع الخبرة والاطلاع
•إعادة تصميم برامج التدريب المهني لتكون مرتبطة مباشرة بالقطاعات الإنتاجية، وبشراكات تطبيقية.
•إدماج مفهوم الإنتاجية المستدامة في سياسات الأجور بدل الفصل بينهما.
•تطوير مظلة حماية اجتماعية مرنة تشمل العمالة غير المنظمة تدريجيًا.
•تمكين النساء من المشاركة الاقتصادية عبر حلول عملية قابلة للتطبيق.
•الاستثمار في المهارات الرقمية كمدخل لرفع الإنتاجية.
•تعزيز الحوار الاجتماعي لضمان توازن مستمر بين مصالح الأطراف المختلفة.
في الختام، يبقى عيد العمال مناسبة تتجاوز التقدير الرمزي إلى مراجعة واقعية لمسار العمل في الأردن. فالمطلوب ليس فقط تحسين شروط العمل، ولا فقط تعزيز الإنتاجية، بل بناء توازن ذكي بينهما. والاستفادة من تجارب دولية، مثل الصين، لا تعني نقلها كما هي، بل فهم منطقها وتكييفه مع واقعنا. عندها فقط يمكن أن يتحول العمل من تحدٍ اقتصادي إلى فرصة تنموية حقيقية، يكون فيها العامل شريكًا في البناء، لا مجرد عنصر فيه.
* د. عائده المصري، باحثة وكاتبة إعلامية متخصصة في الحوكمة العالمية والاقتصاد السياسي، تتمتع بخبرة في إدارة النزاعات وتعزيز مرونة سلاسل التوريد. عضو في الاتحاد الدولي للصحفيين الدوليين وكتّاب العرب أصدقاء وحلفاء الصين.