في الوقت الذي تتصاعد فيه شكاوى الناس من ضيق الحال وارتفاع تكاليف المعيشة، تمتلئ القاعات بالمناسبات، وتزدحم وسائل التواصل الاجتماعي بصور الرفاه والاحتفالات. مفارقة لافتة تفرض سؤالًا صعبًا: هل نعيش أزمة اقتصادية فعلًا، أم أزمة في طريقة تعاملنا الاجتماعية مع هذه الأزمة؟
المشهد اليومي في المجتمع الأردني يكشف تناقضًا واضحًا. فبينما يتحدث كثيرون عن صعوبة تغطية النفقات الأساسية، نشهد توسعًا في مظاهر الاستهلاك الاستعراضي، خصوصًا في المناسبات الاجتماعية من أعراس وتخرجات واحتفالات عائلية. لم تعد هذه المناسبات مجرد لحظات فرح بسيطة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى "ساحات مقارنة” غير معلنة، يقيس فيها الناس مكانتهم الاجتماعية بما ينفقونه لا بما يملكونه.
هذا السلوك لا يمكن اختزاله في كونه مجرد رغبة فردية في التباهي، بل هو نتاج ضغط اجتماعي متراكم. فالفرد لا ينفق فقط لإرضاء نفسه، بل لتجنب نظرة المجتمع، أو للحفاظ على صورة معينة أمام الآخرين. وهنا تتحول الكلفة الاجتماعية إلى عبء حقيقي، قد يفوق الكلفة الاقتصادية ذاتها. كثيرون يدخلون في التزامات مالية مرهقة، أو يلجأون إلى الاقتراض، فقط لمجاراة معايير لم يختاروها أصلًا.
الأخطر أن هذه الظاهرة تتغذى على بيئة رقمية تضخم الصورة وتعيد إنتاجها. فوسائل التواصل الاجتماعي لا تعرض الواقع كما هو، بل نسخة منتقاة ومُحسّنة منه، ما يخلق وهمًا عامًا بأن الجميع يعيشون في مستوى رفاه أعلى مما هو حقيقي. هذا الوهم يعزز الشعور بالمقارنة، ويدفع الأفراد إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع قدراتهم.
اقتصاديًا، هذه السلوكيات تحمل آثارًا مقلقة. فبدلًا من توجيه الموارد المحدودة نحو الادخار أو الاستثمار في التعليم والصحة، يتم استنزافها في استهلاك مؤقت لا يضيف قيمة حقيقية. كما أن الاعتماد على القروض الاستهلاكية في تمويل هذه المظاهر يفاقم من هشاشة الأوضاع المالية للأسر، ويزيد من مستويات القلق وعدم الاستقرار.
لكن المسألة أعمق من مجرد أرقام. نحن أمام تحول في منظومة القيم، حيث بدأت المكانة الاجتماعية تُقاس بالمظهر لا بالجوهر، وبالقدرة على الإنفاق لا بالقدرة على الإنتاج. وهذا التحول، إذا استمر، قد يخلق فجوة بين الواقع الحقيقي والصورة المتخيلة، ويؤدي إلى مزيد من الإحباط المجتمعي.
الحل لا يكمن في لوم الأفراد أو انتقاد سلوكهم بشكل مباشر، بل في إعادة التفكير في المعايير الاجتماعية التي نعيد إنتاجها يوميًا. فالمجتمع الذي يرفع سقف التوقعات دون أن يراعي القدرات، يدفع أفراده إلى خيارات غير صحية اقتصاديًا ونفسيًا. كما أن تعزيز ثقافة البساطة والواقعية، والاحتفاء بالقيمة الحقيقية للمناسبات بدلًا من مظاهرها، يمكن أن يخفف من هذا الضغط.
في النهاية، لا تكمن المشكلة في أن الناس يريدون الفرح أو الظهور بمظهر لائق، فهذا حق طبيعي، بل في أن الكلفة الاجتماعية أصبحت أحيانًا أعلى من القدرة الاقتصادية. وحين يحدث ذلك، نكون أمام خلل لا يتعلق بالدخل فقط، بل بطريقة تفكيرنا الجماعية.
في زمن الضيق الاقتصادي، لا يكون التحدي في قلة الموارد فحسب، بل في كيفية إدارتها… وفي قدرتنا على التمييز بين ما نحتاجه فعلًا، وما نفرضه على أنفسنا دون وعي