من حقّنا أن نسأل: كيف نختار من يقود مؤسساتنا، خصوصًا تلك التي تُعنى بالمستقبل والتحول الرقمي وإدارة الأزمات؟
هذا سؤال مشروع وضروري، لأنه يتصل مباشرة بثقة الناس بطريقة إدارة الشأن العام.
لكن، في المقابل، من واجبنا أن نُحسن طرح الإجابة، وأن نبتعد عن التبسيط الذي قد يظلم الفكرة، وربما يظلم أشخاصًا أيضًا. فالمقال، في جوهره، لم يكتفِ بنقد القرار، بل اتجه إلى توصيف شخص بعينه، وكأن المسألة تختزل في فرد، لا في منهج أو منظومة.
وهنا تكمن الإشكالية.
ليس من الإنصاف أن يُختزل مسار مهني طويل وتجربة علمية وعملية متراكمة في توصيف سريع أو حكم جاهز. فهناك من يمتلك من الخبرة والمعرفة ما يؤهله لقيادة مؤسسات معقّدة، حتى وإن لم يأتِ من خلفية تقنية بحتة. والإدارة، كما هو معروف، ليست تخصصًا ضيقًا، بل قدرة على الجمع بين الرؤية والخبرة، وبين القرار والتنفيذ.
كما أن العمر، الذي جرى التلميح إليه في سياق النقد، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه نقطة ضعف، بل قد يكون، في كثير من الأحيان، مؤشرًا على نضج التجربة وتراكم المعرفة. ومن ينظر إلى تجارب عالمية، بما فيها الفائزون بجائزة نوبل، يجد أن ذروة الإنجاز كثيرًا ما تأتي في مراحل متقدمة من العمر، حيث تكتمل الصورة وتتضح الرؤية.
والأهم من ذلك، أن اختيار القيادات في مؤسسات الدولة، مهما اختلفنا أو اتفقنا معه، لا يمكن اختزاله في فكرة العبث أو الصدفة. فمثل هذه القرارات، في الأصل، تُبنى على اعتبارات متعددة، قد لا تكون كلها ظاهرة للرأي العام، لكنها لا تأتي في الفراغ.
هذا لا يعني إغلاق باب النقد، بل على العكس.
النقد ضرورة، لكنه يصبح أكثر نضجًا حين يتجه إلى المنهج والمعايير، لا إلى الأشخاص. حين نسأل:
كيف تم الاختيار؟
ما هي مؤشرات الأداء؟
وكيف ستتم المحاسبة؟
عندها فقط نكون أمام نقاش حقيقي يسهم في الإصلاح، بدل أن يتحول إلى سجال شخصي.
ثم إن إدارة المستقبل لا تعني القطيعة مع الماضي، كما يُصوَّر أحيانًا. فالمؤسسات التي تنجح هي تلك التي تفهم تاريخها، وتستثمر خبراتها، وتُحسن توظيف أدوات العصر. المسألة ليست صراعًا بين تخصص وآخر، بل قدرة على بناء منظومة متكاملة تعمل بانسجام.
في النهاية، لا نحتاج إلى أحكام سريعة، بقدر ما نحتاج إلى قراءة أعمق.
ولا إلى استهداف أشخاص، بقدر ما نحتاج إلى تطوير معايير.
فالدول لا تُبنى بردود الأفعال، بل بتراكم الثقة، وعدالة التقييم، واحترام العقول.